أفريقيا.. حان الآوان للاهتمام بالمسنّين!

1 min read

للمرة الأولى في تاريخها، تستعد القارة الأفريقية التي اجتازت خلال العقود الماضية، جملة من التحديات الاقتصادية والسياسية والصحية التي أدت إلى ارتفاع متوسط الأعمار فيها، لمواجهة ظاهرة تعتبر مستجدّة لقارة طالما وُصفت بـ “الشابّة”، ألا وهي التهرّم السكاني.

وبحسب أحدث توقّعات البنك الدولي، فإنّه من المنتظر أن يبلغ عدد الأفارقة الذين تزيد أعمارهم عن الـ 60 عاما في القارة “الأقل تهرّماً” في العالم، بحلول عام 2050، نحو 200 مليون مسناً، (أي حوالي 10 % من سكان أفريقيا)، مقابل 60 مليون في الوقت الراهن (أي 5.3 % من إجمالي سكانها).

أرقام دفعت الخبراء والساسة إلى دراسة هذه الإشكالية التي تُنبئ بتطوّرها السريع، في قارة لطالما وصفت بـ “الشابة”. وصفٌ نابعٌ من حقيقة أنّ 40 %  من أطفالها دون سن الـ 15، غير أنه واحتكاماً إلى قوانين الطبيعة، فإنّ بعض بلدانها بدأت تشهد ظاهرة التهرّم السكاني، من ذلك جزر الموريس (أو موريشيوس/ 12.2%) وتونس (10%)، إضافة إلى كلّ من جنوب أفريقيا (8.1 %) والغابون (7.5 %)، وفق تقرير أممي بعنوان “التوقعات السكانية في العالم: مراجعة 2012″، نشر في 13 يونيو/حزيران 2013.

المصدر نفسه استعرض أمثلة لبلدان أفريقية أخرى تسجّل أرقاماً دون المعدّل بهذا الشأن، من ذلك بوروندي (3.8 %) أو بوركينا فاسو (3.9 %). 

ومع أنّ معظم النسب المتعلّقة بالتهرّم السكاني الذي تشهده بعض بلدان القارة السمراء، تبدو منخفضة بعض الشيء، غير أنها احتسابها باعتبار الإجمالي السكاني للبلد، يمكن أن يعطي رقما ضخماً. ففي نيجيريا، على سبيل المثال، والتي تضم أكبر عدد من السكان في القارة (ما يفوق 180 مليون ساكن وفق أرقام الأمم المتحدة)، لا تتعدّى نسبة سكانها ممن تفوق أعمارهم الـ 60 عاما، الـ 4.5 %، غير أنّ هذه النسبة تمثّل أكثر من 7 ملايين و200 ألف ساكن، لتتساوى، من حيث عدد مسنيها، مع دولة بولندا الأوروبية (التي يمثل كبار السن فيها 19% من سكان البلاد)، بحسب لوران نويك، الباحث في معهد الدراسات الديموغرافية الفرنسي، في تقرير نشرته وكالة التنمية الفرنسية عام 2013، بعنوان “أفريقيا.. قارة شابة تتهرم”.

تهرّمٌ بدأ ينخر التركيبة السكانية لبلدان القارة السمراء، وفي مقدّمتها دول شمال أفريقيا، ويعكس في جانبه المضيء، بحسب متخصّصين، الجهود المبذولة من قبل القارة عموماً، في مجال الصحة، وذلك عبر مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، في أفريقيا الجنوبية، إضافة إلى الحملات الدولية للتلقيح والوقاية من الأمراض المعدية والحصبة والملاريا وغيرها من الأوبئة الأخرى.

عوامل أخرى، أوضح المصدر نفسه، أنها ساهمت إلى حدّ كبير في زيادة متوسط ​​الأعمار المتوقّع في هذه البلدان، وتشمل انتهاء الحروب الأهلية في منطقتي وسط وغرب القارة (رواندا والكونغو الديمقراطية والكونغو برازافيل وكوت ديفوار وغيرها..). معطيات كان لابدّ وأن تدفع بأمل الحياة عند الولادة إلى مستويات أكبر، وتوسع من بين نتائج أخرى، في قاعدة الفئة العمرية فوق الـ 60 عاماً، ما أدى إلى ارتفاع نسبة تهرّم الأفارقة لـ 4 أضعاف عما كانت عليه في عقود سابقة، وهو ما يشكّل، اليوم، تحدّياً هاماً يفرض تطوير أنظمة الإحاطة الإجتماعية بما يتناسب مع خصوصية سوق الشغل الإفريقية التي يهيمن عليها القطاع غير الرسمي أو الموازي.

فعلى الورق، تتبنى البلدان الأفريقية نظام تمويل التقاعد المعمول به في فرنسا. وبحسب “مرصد التقاعد الأفريقي” (مستقلّ)، فإن هذا النظام يرتكز على التضامن بين الأجيال (الفئة النشيطة تمول جرايات الفئة غير النشيطة)، ورغم بعض الاختلافات غير الجوهرية بين الكثير من بلدان القارة (الكاميرون وبنين والسنغال وإفريقيا الوسطى)، إلا أنّ سن التقاعد محدّد عموما بـ 60 عاما.

غير أن تلك الأنظمة لا تغطي في واقع الحال، بحسب البنك الدولي، سوى أقلية تشمل موظفي القطاع العام والقطاع الخاص الرسمي، في حين لا يتمتّع نحو 90 %  من السكان الناشطين في القارة ممن يمتهنون أعمالاً حرة أو من ذوي الأجور المنخفضة أو العاملين في القطاع غير الرسمي (يمثل 80 %من اقتصاد القارة) بأية تغطية اجتماعية، بل إنّ البعض منهم لم يسمع بوجود أنظمة التقاعد، وغالباً ما يستنزفون طاقتهم إلى أن يباغتهم الكبر ليجدوا أنفسهم في كفالة أحفادهم، مع أنه يحدث وأن ينشغل عنهم أبناؤهم من الشباب بسبب ارتفاع معدّلات التمدن وتطور الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، وفق المصدر نفسه.

طرحٌ خلص من خلاله المرصد إلى ضرورة إعادة رسم ملامح تدخّل الدولة في هذا الجانب، من خلال التفكير في وضع أنظمة الرعاية الاجتماعية اللازمة، عبرالاهتمام بالاقتصاد غير الرسمي، وكيفية الإحاطة بهؤلاء الأشخاص من أجل صون كرامتهم والعيش في كنف الاحترام والأمان، على غرار الخطى الواثقة التي تقطعها جزر الموريس بهذا الإتجاه، حيث استشرفت التهرم السكاني في البلاد، وأعدّت، تبعا لذلك، سياسات عمومية تطوعية. 

وكالة التنمية الفرنسية، أشارت من جانبها في تقرير لها، نقلاً عن شارل نوكس فيدمانوف، الخبير في الإحاطة الاجتماعية، إلى أنه، وخلافاً لما يروّج، فإنّ “كلفة جراية التقاعد لكافة المسنين ممن تتجاوز أعمارهم الـ 65 عاما في معظم البلدان الإفريقية لا تتجاوز الـ 0.5 من الناتج الإجمالي المحلي”.

من جهته، أوصى البنك الأفريقي للتنمية بإدراج مسألة التهرم السكاني في المخططات الحكومية، وذلك من خلال تعديل الميزانية الوطنية وتعزيز أنظمة التقاعد والإحاطة الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بالعلاج والحماية الاجتماعية والعائلية.

وفي توغو، التي أخذت سلطاتها مسألة التهرم السكاني على محمل الجد (5.4 % من المسنين)، قال ماكاني كويابي، مدير المسنين في وزارة العمل الاجتماعي، إن بلاده أطلقت عدداً من المبادرات بهذا الشأن، مضيفاً في تصريح للأناضول، أن من أولويات الحكومة التوغولية “تمتيع كبار السن، انطلاقا من نهاية العام الجاري، بتغطية طبية شاملة وتأمين على المرض تمكنهم من العلاج، تماما مثل الموظفين، وأنّ مشروعا استباقيا سياسيا بصدد الانجاز من أجل تحديد ما يتوجب على الدولة التوغولية القيام به لضمان تحسن معدلات حياة الأشخاص المسنين، في إطار قانوني”. 

 وفي السياق نفسه، أشار كويابي إلى أنّ “الحكومة وضعت دليلاً وطنياً يشمل خدمات تطوّعية يقدّمها المتقاعدون الذين يشعرون بالملل، لاستثمار مهاراتهم في القطاع الخاص، على سبيل المثال، ومن المنتظر أن يدرج الدليل على الانترنيت قبل نهاية 2016″، بهدف توظيف خبرات الأجيال السابقة، واستعمالها كقاعدة بيانات من شأنها أن تساهم في تحويل “الأعباء” إلى “ثروات”، على حدّ تعبيره.

قد يعجبك أيضاً

المزيد من الكاتب

+ There are no comments

Add yours