نار تحت رماد العلاقات الإثيوبية المصرية، رغم بقائها مدفونة على المستوى الرسمي، غير أنها تجلت في تأجيل انعقاد اجتماع ثلاثي مصري أٌثيوبي سوداني والذي كان مقررًا أمس الإثنين للتوافق حول الدراسات الفنية لسد النهضة على نهر النيل الذي يقلق القاهرة.
التاجيل الذي أرجعته مصادر رسمية مصرية إلى أسباب فنية لوجستية، كشفت مصادر دبلومسية واسعة الاطلاع في شرق إفريقيا ان مرده فعليا قرار إثيوبي بمقطاعة الاجتماع، خاصة أن أديس أبابا زادت قناعتها مؤخرا بأن القاهرة “تدعم” المعارضة الإثيوبية المقيمة بالخارج، وتقيم “تحالفا سياسياً مناوئاً لها مع أريتريا”، وهو ما تنفيه القاهرة مرارا عبر القنوات الدبلوماسية.
وجاء إلغاء الاجتماع بعد تصريحات لرئيس الوزراء الأثيوبي هيلي مريم ديسليان في 30 أغسطس/ آب الماضي، تحدث فيها لأول مرة عن الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة أديس أبابا وبعض المدن الأخرى مؤخراً، وما تخللها من مظاهرات وأحداث عنف ومحاولات تخريب. ووجه رئيس الوزراء الأثيوبي في حديثه الذي نقلته القنوات التلفزيونية الرسمية، أصابع الاتهام إلى “بعض الدول” التي قال إنها “تبني سعادتها على حرمان الشعب الأثيوبي الاستفادة من موارده الطبيعية”، وهو ما اعتبره العديد من المراقبين إشارة ضمنية إلى إريتريا ومصر.
وفي لغة اتسمت بالمرارة وجه اتهامات لبعض الدول في المنطقة ـ لم يسمها ـ قائلاً إنها “ظلت تحاربنا حتى لا نعيش في استقرار وأمان”، مضيفاً أنه “وبعد أن كانت الحرب من قبل هؤلاء بالوكالة، وفشلوا في ذلك، أصبحوا يدعمون كل قوة معادية لنا، فاستغلوا مجموعة أثيوبية تعيش في الخارج ممن ضلوا الطريق بدعمهم عبر المال الفاسد، بعد أن استطاعوا إيصال هذه الأموال للداخل ليخلقوا الفوضى في بلادنا”.
وشهد إقليما أرومو وأمهرا، في أغسطس/ أب الماضي ، احتجاجات على خطة توسيع حدود العاصمة من قبل ساكنيه، معتبرين أن الخطة “تستهدف تهجير مزارعين من قومية الأوروموا”، فيما شهد اقليما امهرا وتجراي، نزاعاً حدودياً بينهما، تطور لاحقا الى احتجاجات، مما دفع وسائل إعلام أثيوبية إلى اتهام مصر وأريتريا بالوقوف خلفها.
ورغم أن العلاقات الأثيوبية المصرية ظلت لسنوات طويلة في حالة تذبذب صعوداً وهبوطاً حسب توجه الأنظمة الحاكمة في الدولتين، إلا أنها توترت بصورة متسارعة في عهدي الرئيس السابق حسني مبارك وخلفه محمد مرسي، وهو ما أكده الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في أول لقاء بينه وبين رئيس الوزراء الأثيوبي في القمة الأفريقية التي عقدت في غينيا الاستوائية في يونيو/حزيران 2014.
وأتى حديث الرئيس المصري رداً على معلومات سردها رئيس الوزراء الأثيوبي ديسالين في أول لقاء جمعهم في ملابو (غينيا الاستوائية) على هامش القمة الأفريقية في 28 يونيو/ حزيران 2014، مفادها أن القاهرة تدعم المعارضة الأثيوبية في الخارج، مشيراً إلى وجود قناة تلفزيونية فضائية تبث عبر القمر الصناعي “نايل سات” (تملكه القاهرة)، وأن معلوماته تفيد بأن مصر تدفع تكاليف البث لهذه القناة التي تتخذها المعارضة الأثيوبية الموجودة في القاهرة منبراً لها، وأن تنسيقاً يتم في هذا الصدد مع أريتريا، بحسب المصادر الدبلوماسيبة ذاتها.
ونفى الرئيس المصري هذه المعلومات بشدة، فيما رد رئيس الوزراء الأثيوبي بقوله، إن هناك فجوة عميقة بالثقة في العلاقات بين البلدين، إلا أن الجانبين تعهدا ببدء صفحة جديد في علاقات البلدين.
وعقب هذا اللقاء الساخن، وفي تطور آخر توصل الجانبان في “ملابو” لاتفاقية من سبع نقاط لتفعيل العلاقات بين البلدين في إطار من التعاون البناء والثقة، وانتهى بصدور بيان مشترك أصبح فيما بعد مرتكزاً لاتفاقية الخرطوم الخاصة بإعلان مبادئ سد النهضة التي وقعت في مارس/ أذار 2015، بين قادة الدول الثلاث (مصر؛ إثيوبيا؛ والسودان) أعقبتها زيارة الرئيس المصري في ذات الشهر لأديس أبابا حيث خاطب البرلمان الأثيوبي معلناً “بدء مرحلة جديدة من العلاقات الودية بين البلدين”.
ويعني ضمنيا إعلان المبادئ الذي وقّعته مصر والسودان وإثيوبيا الموافقة على استكمال إجراءات بناء السد، مع إجراء دراسات فنية لحماية الحصص المائية من نهر النيل للدول الثلاث التي يمر بها.
ومرت العلاقات بعدها بفترة هادئة ومستقرة بين مارس/ أذار وديسمبر/ كانون الأول من ذات العام (2015)، حيث شهدت أثيوبيا فيه اندلاع أول مظاهرات واحتجاجات للمزارعين وبمشاركة طلبة من إقليم “أورومو” احتجاجاً على خطط الحكومة لتوسيع حدود العاصمة أديس أبابا الواقعة في جزء منها داخل هذا الإقليم، واعتبره هؤلاء تعدياً على أراضيهم الخاصة.
وركز الإعلام المصري حينها على تلك الأحداث ونقل أحداثها بشكل مبالغ فيه- بحسب تقدير المسؤولين الأثيوبيين ووسائا الإعلام الإثيوبية التي اتهمت نظيرتها المصرية بـ”صب الماء على الزيت” و”الاحتفاء” بالاحتجاجات، وهو ما أعاد التوتر إلى أجواء البلدين بعد ستة أشهر من الهدوء في العلاقات.
وفي 17 يوليو/تموز2016، التقى الرئيس المصري برئيس الوزراء الأثيوبي مجدداً أثناء مشاركتهما في القمة الأفريقية في العاصمة الرواندية “كيغالي”، بحضور رئيس الاستخبارات المصرية خالد فوزي، وكان لقاءاً حاسماً حيثُ اتهمت أثيوبيا، مصر بالتورط في الشأن الأثيوبي الداخلي بدعمها للمعارضة، إلا أن السيسي نفى تلك الاتهامات مجدداً.
قاصمة الظهر في هذا المد والجزر في العلاقات بين البلدين، جاءت بعد اندلاع موجة جديدة من العنف انفجرت ضمن احتجاجات ومظاهرات عمت مدن أديس أبابا وإقليمي أورومو وأمهرا في 7 أغسطس/ آب الماضي، والتي تم فيها تحريك 90% من المظاهرات عن طريق التوجيهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، مما اضطر السلطات الأثيوبية لقطعها خاصةً أيام الأحد، وحينها جددت أثيوبيا اتهاماتها لمصر، بشكل غير معلن وعبر القنوات الدبلوماسية، بالتورط فيما يحدث من قلاقل وأحداث بفتحها قنوات ووسائل التواصل للمعارضين.
كل هذه التطورات المتسارعة والاتهامات الأثيوبية، أرجعا الأزمة إلى المربع الأول، فبعد يوم واحد من خطاب رئيس الوزراء الأثيوبي، بادرت وسائل الإعلام الموالية للائتلاف الحاكم في أثيوبيا إلى تأكيد تورط النظام الأريتري في أحداث بلادهم، إلا أنها تؤكد بثقة “أن هذا العمل أكبر من قدرات أريتريا”، وبأن وراءها جهات أخرى في إشارة إلى الدور المصري، رغم النفي المتكرر من القاهرة لهذه الاتهامات.
في الساق، قال الإعلامي الأثيوبي، أنور إبراهيم، المقرب من الحكومة، للأناضول إن “مصر متهمة بشكل مباشر بالتورط في تأجيج المشاعر ضد وحدة أثيوبيا، والعمل على تهديد استقرارها”، مشيرا إلى أن “أثيوبيا تعتبر مشروع سد النهضة قضية أمن قومي ليس لأحد أن يُملي عليها ما تفعله”.
وحذر إبراهيم في ذات الوقت من أن تعرض السد لأي خطر من أي جهة “كفيل بدخول الدولة في حرب لحمايته من أي اعتداء أو تخريب”، بحسب المصدر ذاته.
ونقل إبراهيم عن مصادر أثيوبية لم يسمها، أن “وفداً مصرياً يضم عدداً من الخبراء قد زار مجموعة من دول الجوار منها أريتريا وجيبوتي والصومال وجنوب السودان، بهدف التوصل لاتفاقيات ثنائية معها كنوع من ممارسة الضغط على أثيوبيا، كما قامت قيادات أثيوبية معارضة بجولات متعددة بين القاهرة ودول غربية لتوفير الدعم لهذه الخطوة”، متهماً تلك الشخصيات -التي لم يسمها- بأنها تعمل لصالح أجندة خارجية وليس من منطلقات وطنية كما يدعون، حسب تعبيره.
وأوضح الإعلامي الأثيوبي أن “مصر قد قدمت مؤخراً منحاً دراسية جامعية لما يقارب المئات من الطلاب من الأورومو في خطوة تهدف لتجميع أكبر عدد من الناطقين بالعربية ممن يتحدثون باسم المعارضة من هذا الإقليم”، وهو ما أدى ـ حسب أنور ـ إلى تزايد عدد مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية متحدثة باسم جبهة تحرير أورومو.
وبقيت خلال السنوات الثلاث الماضية قضية الخلاف بين مصر وإثيوبيا موضع شد وجذب بين الطرفين، فالقاهرة ترفض ما تسميه “المساس بحقوقها التاريخية في نهرالنيل” مصدرها الوحيد للمياه، فيما إثيوبيا تؤكد على ما تسميه “حقها السيادي” بموجب المبادئ الدولية في استكمال بناء السد الذي يمثل أكبر مشروع تنموي يشهده هذا البلد، وتؤكد في ذات الوقت أنها حريصةٌ على حقوق الآخرين ولا تنوي الإضرار بأي من جاراتها بأي شكل.
وفي إطار هذا الخلاف، تشدد القاهرة دوما أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتسعى إلى حل ودي مع أثيوبيا بشأن السد الذي ينتظر أن يكتمل بناؤه في يونيو/ حزيران 2017.

+ There are no comments
Add yours