دعوات الحكومة الفرنسية لـ “إصلاح” الحقل الإسلامي في فرنسا تسارعت وتيرتها، منذ الهجوم الذي استهدف كنيسة “سانت اتيان دو روفاري” الواقعة في بلدة “نورماندي” شمالي البلاد، من خلال انشاء مؤسسة للإسلام، ضمن توجه يحظى بدعم مختلف ألوان الطيف السياسي في البلاد من اليمين إلى اليسار، فالجميع يطالب بإجراءات بحق “الجالية المسلمة”.
المسلمون الطرف الأساسي في القضية، يعتبرون أبرز الغائبين عن حلقة النقاش الدائر بخصوص الإسلام في فرنسا، خاصة ضمن وسائل الإعلام أو في الساحة السياسية نفسها، في حين أنه كان من المفترض اشراكهم في جوهر الحوار.
“خيبة أمل” المسلمين من إرادة السلطة التنفيذية في فرنسا لـ “الإصلاح” أوإحكام قبضتها على الإسلام، وفق البعض، دفعت العديد منهم إلى وصف هذا النهج بـ “مقاربة ما بعد الاستعمار” و”العائق أمام مبدأ العلمانية”، إضافة إلى اعتباره “إعلان حرب مؤسساتية”.
“إصلاح الإسلام” الذي كان، خلال فترة حكم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي (2007-2012)، محل نقاش واسع النطاق، برز على السطح من جديد، عقب الهجوم الذي استهدف كنيسة “سانت اتيان دو روفاري” في 26 يوليو/تموز الماضي، وموضع مطالبات باصلاح “مؤسسة الأعمال الإسلامية في فرنسا” أو وضع “ميثاق”مع الديانة الثانية في البلاد.
رئيس الوزراء مانويل فالس الذي يعد من بين أبرز المؤيدين لهذا التوجه “الإصلاحي”، منذ هجوم 26 يوليو/تموز الماضي، عبر في صحيفة “لو جورنال دي ديمانش” (الفرنسية) عن رغبته في “إعادة بناء إسلام فرنسا”.
تصريحات المسؤول الفرنسي تتالت، في هذا الإتجاه، ففي مقابلة له مع صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية، قال إنه يتعين على المسلمين “الشعور بأنهم معنيون وتحمل مسؤوليتهم”.
فالس الذي اقترح حظر التمويل الأجنبي للمساجد، أردف قائلا: “للدولة والسلطات العمومية دور أساسي للعبه”، بخصوص “تنظيم الإسلام في فرنسا”، وفق تعبيره.
وبعد بضعة أيام من تصريحات فالس، جاء دور برنار كازنوف، وزير الداخلية الفرنسي، ليعرب عن إرادته “إصلاح الإسلام” بحسب تعبيره، خلال لقائه ببعض ممثلي “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” (تأسس عام 2003).
وفي هذا الصدد، أعلن كازنوف عن مشروع إصلاح “مؤسسة الأعمال الإسلامية في فرنسا” التي تركت لتواجه مصيرها بمفردها، منذ إنشائها عام 2005.
مؤسسة تم ترشيح جون بيير شيفينمان/ وزير الداخلية الفرنسي السابق والقيادي في “الحزب الاشتراكي” (الحاكم) لترأسها، وفق ما أعلن عنه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، الأسبوع الماضي، في حين أن شيفينمان ليس من أعضاء هذه المنظمة ولا يعد شخصية بارزة في أوساط المجتمع المسلم بفرنسا.
اهتمام السلطات الفرنسية بالإسلام: “تحول” تكتيكي
ياسر اللواتي الناشط المدني في مجال حقوق الإنسان والمتحدث السابق بإسم “التجمع ضد الإسلاموفوبيا” (جمعية فرنسية) قال في تصريح للأناضول، إن “توقيت” تقديم “مشروع الإصلاح” الذي جاء عقب هجوم “سانت اتيان دو روفاري”، مهم للغاية.
ووفق الناشط الفرنسي، من المنتظر أن يشكل المشروع أداة لـ “صرف نظر الرأي العام”، عن “فشل الحكومة على المستوى الأمني وحالة الطوارئ”.
المشكل الثاني لـ “التوقيت” يتمثل في ربط الهجمات الإرهابية “بصفة تلقائية” بالإسلام، بحسب تعبير اللواتي، في حين أنه كان من الأجدر معالجة “الفشل الأمني” و “فشل الدولة التي لم تعد تمول مستشفيات الأمراض النفسية، لتترك الأشخاص ينعمون بحرية في حين انهم يشكلون خطرا على العامة”.
مشروع يحيل على الحقبة الاستعمارية
المؤسسة الجديدة للإسلام “محكومة بالفشل”، بسبب افتقارها لمعطى الاستقلالية ووضعها بمعزل عن مسلمي فرنسا، وفق الناشط المناهض للإسلاموفوبيا، الذي تابع حديثه قائلا: “من الجميل أن نقوم بالإصلاح وفق ما نريد، طالما نرفض استقلالية الدين الإسلامي، في حين أنه ليس سوى مقاربة ما بعد الاستعمار تهدف إلى وضع الإسلام تحت وصايتها”.
الناشط المسلم مضى يقول: “نفرض المسؤولين الدينيين عليهم (المسلمين) ونجلب الأئمة الأجانب، وفي حال عدم نجاح ذلك، نوجة اللوم للمسلمين”.
وبخصوص التعيين المحتمل لشيفينمان على رأس هذه المؤسسة، استنكر اللواتي عدم أخذ رأي المسلمين قبل اتخاذ هذا القرار، علاوة على ما اعتبره “إعادة تدوير” شخصيات تنشط “في المشهد السياسي منذ 40 عاما”.
الناشط المدني أوضح أن المؤسسة ستكون بمثابة “نادي صغير للنخب الفرنسية يمررون فيه الكرة لبعضهم البعض من أجل تبادل المواقف المختلفة للسلطة”، متسائلا “لماذا لم يطلبوا رأي المسلمين في الشخصية التي يودون رؤيتها على رأس هذه الجمعية؟”.
وفي هذا السياق، اعتبر اللواتي أن هذا النوع من “الفرض” يحيل على السياسات الفرنسية خلال الحقبة الاستعمارية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أنه في مطلع القرن الـ 20، أي إبان الحقبة الاستعمارية، توجه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (من أعلام الفكر والأدب في الجزائر)، رفقة السياسي والرئيس الجزائري السابق (1962-1963) فرحات عباس (كان عضو جبهة التحرير الوطني إبان حرب التحرير الجزائرية) إلى العاصمة الفرنسية باريس من أجل طلب تطبيق العلمانية في “الجزائر الفرنسية”، غير أن الحكومة رفضت مطلبهم، من أجل عدم إتاحة حرية ممارسة الدين الإسلامي في هذا البلد.
“الحكومة الفرنسية لا تريد مسلمين مستقلين بذاتهم”
غياب المسلمين عن هذه المبادرة، باستثناء “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”، الراجع بالنظر للحكومة الفرنسية، يكشف “عدم الثقة في المسلمين”، من قبل الدولة، وفق الناشط.
الناشط المسلم أضاف: “الحكومة الفرنسية لا تريد مسلمين مستقلين بذواتهم”، متسائلا “هل يعقل فرض بعض المسلمين من قبل الدولة منذ 30 عاما؟ من يتحدث باسم المسلمين؟ ومن يسائلون بخصوص سجلهم (المسلمين) منذ 30 عاما؟.
الحكومة الفرنسية تريد وضع الإسلام “تحت وصاية الدولة”، وفق اللواتي الذي علل طرحه بالقول “رؤساء البلديات يتدخلون في تعيين الأئمة”، علاوة على “إدارة المساجد المحلية”، في انتهاك لمبدأ العلمانية الذي ” بات بمثابة خدعة لأغراض إيديولوجية”.
“إذا كنا حقا في دولة علمانية، فعلى الدولة عدم التتدخل في شؤون الدين الإسلامي”، تابع ياسر اللواتي.
“لم نشاهد دعوات لإصلاح الطائفة الكاثوليكية، بعد قضية الاعتداء الجنسي على الأطفال”، وفق الناشط الفرنسي، الذي اعتبر أن “العلمانية الجديدة” التي تستخدمها الحكومات (الفرنسية) من اليسار إلى اليمين، تفضي إلى السيطرة على المسلمين وإقصائهم”.
انتقادات سياسية لـ “الإصلاحات الحكومية للإسلام”
إنشاء مؤسسة جديدة للإسلام وتعيين شيفينمان رئيسا لها، ليست محل اجماع بين السياسيين الفرنسيين وحتى بين أعضاء الحكومة نفسها، حيث أعربت لورنس روسينول، وزيرة الأسر والأطفال وحقوق المرأة، التي أثارت غضب الجالية المسلمة، خلال الفترة الأخيرة، بخصوص موقفها من الحجاب، عن أسفها إزاء ترشيح وزير الداخلية السابق لهذا المنصب، مشيرة إلى ضرورة تعيين “شخص ينحدر من الثقافة الإسلامية”.
ومن جانبها، تساءلت ناتالي غوليت، عضو مجلس الشيوخ الفرنسي عن منطقة أورن (شمال شرقي فرنسا)، في تغريدة على صفحتها الشخصية على موقع تويتر، “ألا يوجد مسلم فرنسي في المستوى المطلوب؟”
وإضافة إلى ما تقدم، قال رئيس بلدية توركوان، جيرالد دارمانين قال، أن شرط نجاح المؤسسة الجديدة يتمثل في “ترك المسلمين يديرونها بأنفسهم”.
“الفكرة التي طرحها الرئيس (أولاند) بتسمية (شيفينمان) على رأس هذه المؤسسة إن لم تكن أبوية، فهي استعمارية تقريبا”، وفق رئيس البلدية، في مقابلة له مع صحيفة “لو جورنال دو ديمانش”.

+ There are no comments
Add yours