حملات التوقيع بمصر.. “تعبئة” خارج الصندوق

1 min read

قلم وورقة وصندوق انتخابي.. مكونات عملية الاقتراع في كافة بلدان العالم، فيما يعرف بـ"شرعية الصندوق"، غير أن المشهد في مصر أضاف إليها "شرعية التوقيعات" لـ"تعبئة" المؤيدين.

وشهدت مصر، خلال السنوات الماضية، حملات توقيعات شعبية تستبق الاقتراع السري في "ظاهرة متكررة"، تمثل "حرباً نفسية" ضد الطرف الآخر أكثر من إضفاء "الشرعية".

وقبيل رئاسيات 2014، خرجت حملات توقيعات شعبية وحزبية، أبرزها بعنوان "كمل (استكمل) جميلك"، تدعو وزير الدفاع وقتها، عبد الفتاح السيسي، إلى الترشح لرئاسة البلاد، بعد أحاديت متكررة له بأنه لن يتخذ تلك الخطوة "دون رغبة شعبية".

وبعد أقل من 4 سنوات، من وصول السيسي لرئاسة البلاد، خرجت حملة توقيعات شعبية وحزبية بعنوان "عشان (لأجل) تبنيها"، في 25 سبتمبر/أيلول الماضي، تدعوه للترشح لولاية ثانية.

وجاءت الحملة الجديدة بعد وقت قصير من إعلان الرئيس المصري أهمية المشاركة الكبيرة في رئاسيات 2018، واصفا الأخيرة بأنها تحدد مصير البلاد، من دون توضيح موقفه رسميا من الترشح بعد.

ويحق لأي مصري التوقيع على ورقة تلك الحملة، التي تطالب الرئيس بالترشح لـ"تطهير الوطن من الإرهاب واستكمال المشروعات والقضاء على الفساد".

وتذيل الورقة بكتابة اسم الموقع، ورقم بطاقة الهوية، والإقليم الذي ينتمي له (تضم مصر 27 محافظة).

ولم تخرج ضد هذه الحملة المؤيدة أي توقيعات موازية، باستثناء أسبوع فعاليات دعا له التحالف المؤيد لمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا، بعنوان" رافضينك"، للمطالبة برحيل النظام الحالي.

وفي مؤتمر صحفي بالقاهرة، ظهر الأحد، أعلنت حملة "عشان تبنيها" عن جمع 3 ملايين و177 ألفا و300 توقيع، بينهم 220 برلمانياً، خلال نحو شهر منذ انطلاقها، فضلاً عن التواجد في جميع محافظات البلاد.

وفي رئاسيات 2014، التي فاز بها السيسي حصد الأخير نحو 23 مليون صوتًا، من بين 25 مليوناً شاركوا في التصويت (إجمالي من يحق لهم التصويت 54 مليوناً)، وحصل منافسه الوحيد، اليساري حمدين صباحي، على 757 ألف و511 صوتًا، بحسب نتائج رسمية.

وبحسب المادة 140 من الدستور المصري "تبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بـ 120 يومًا على الأقل (أي في يناير/ كانون الثاني أو فبراير/ شباط المقبلين)، ويجب أن تعلن النتيجة قبل نهاية هذه المدة بثلاثين يوما على الأقل".

** تعبئة استباقية

ويري أستاذ علم الاجتماع السياسي بمصر، سعيد صادق، في حديث الأناضول التوقيعات أنها ليست "تبني شرعية حقيقية أو تفرض واقعا قانونياً"، لكنها بمثابة "حرب نفسية" ضد الطرف الآخر، "وتعبئة" للمؤيدين.

ويوضح أنها حملات تعبئة منظمة تريد أن تفرض قرارا أو اتجاه على الرأي العام مثل التشجيع لفريق كرة قدم، مشيراً إلى أنها تستهدف تعبئة المؤيدين للنظام خشية عدم مشاركتهم الكبيرة والواسعة. في رئاسيات 2018

ويلفت النظر إلى توقيتها، الذي يستبق الحديث عن رئاسيات 2018، أو الحديث الرئاسي المحتمل عن الإنجازات، في إشارة لما سيعلنه السيسي بين شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط من كشف حساب لسنوات رئاسيته، كما أعلن مسبقاً.

وسبقت شرعية التوقيعات حملة شبه رسمية، بعنوان "مصر 1095" (عدد أيام حكم السيسي)، في يوليو/ تموز الماضي، تحاول أن تتحدث عن شرعية الإنجاز الرئاسي عبر استعراض إنجازات 3 سنوات من رئاسة عبد الفتاح السيسي، الذى تولى فترة الرئاسة في يونيو/ حزيران 2014، في ظل تقارير تتحدث عن تراجع شعبيته، جراء صعوبات اقتصادية.

ووقتها قال مختصون شؤون الإعلام والعلوم السياسية والاجتماعية، تحدثوا للأناضول، إن هناك 3 أهداف للتركيز الإعلامي على إنجازات السيسي هم "التمهيد للانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2018، وتأكيد شرعية النظام، وتجاوز تراجع شعبيته".

وشرعية الإنجاز، وفق مصطلحها السياسي، عادة ما تلجأ لها أنظمة لترسيخ وجودها السياسي عبر الإنجازات سواء عبر تأكيدها على أرض الواقع أو عن طريق الحملات الإعلامية، وتأتي دائما بعد شرعية الصندوق والاعتراف.

ويواجه السيسي، وفق استطلاعات سابقة، تراجعا في شعبيته، اعترف به في حديث صحفي في مايو/آيار الماضي، قائلا: "إذا خشينا من الإصلاح وضريبته على شعبية رئيس أو فرصة رئاسة أخرى نكون قد أخطأنا في حق وطن ومستقبل أبنائه".

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز "بصيرة"، المقرب من النظام، أن السيسي كان أفضل شخصية سياسية عام 2016 وللعام الثالث على التوالي، لكن بنسبة أقل بكثير عن سابقاتها في العامين الماضيين، وهي 27% مقابل 32% عام 2015، و54% لعام 2014

وفي الأوساط الإعلامية والسياسية لا يعلو صوت الآن على توقيعات حملة "عشان نبنيها" لتأييد ترشح الرئيس المصري، التي تأتي من ثناياها الحديث عن "إنجازات" النظام.

وتبث وسائل الإعلام الرسمية بين وقت وآخر أنباء عن تجميع توقيعات شعبية وحزبية مسبقة بعبارات منها "إقبال واسع".

وفي هذا الصدد، يقول الأكاديمي، حسن نافعة، للأناضول، إن التوقيعات الحالية لدفع السيسي للترشح مرة أخرى "مصطعنة، وليست عفوية، وتعتبر تمهيدية للانتخابات الرئاسية المقبلة وما سيحدث فيها، وتعطى انطباعا أن شخصا ما سيفوز".

وحول الإعلان المتواصل عن توقيعات مصريين لدعم الرئيس، رغم ارتفاع الأسعار، وتراجع شعبيته، يرى نافعة أن "الخوف هو سيد الموقف، فمن ليس مؤيدا يخشى أن يدخل في أزمات حال عدم توقيعه".

وشدد على أن تلك الحملات "لن تبنى عليها شرعية حقيقية ولا قانونية".

** تحركات مضادة

التوقيعات، التي تؤيد الرئيس المصري وتنتشر بشكل واسع في المؤسسات الحكومية والمنابر الإعلامية الخاصة والرسمية، أدهشت المرشح الرئاسي المحتمل، أنور السادات واعتبرها، في بيان له، "ظاهرة".

وسعى السادات إلى السير بالطريق نفسه، وجمع توقيعات لصالحه، بعنوان "بنحب السادات"، غير أنه تم منع مندوبيه، بحجة أن "الانتخابات لم تبدأ"، وفق بيان له.

ويصف حسن نافعة خطوة السادات، بأنه "تحرك ذكي"، قائلاً: "اختبر واقع التوقيعات بهذا الموقف وفيما يبدو لنا لا توقيعات إلا لمجموعة دون أخرى".

السادات، ليس وحده من يشكو عدم قدرته على إتمام حملة لتوقيعاته، وفق بيانه، فهناك قوى معارضة ومناهضة للنظام تشير من وقت إلى آخر لعدم قدرتها على التعبير عن آراءها.

وخلال زيارته الأخيرة لفرنسا الأسبوع الماضي، أكد السيسي على عدم وجود "ديكتاتورية أو انتهاك لحقوق الإنسان" ببلاده، فضلاً عن حديث سابق له بأهمية إتاحة الفرصة لكل المرشحين في وسائل الإعلام.

** تاريخ من التعبئة

تاريخ التوقيعات، بحسب أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، مرتبط بوقائع منفصلة، قائمة على إرسال رسائل رفض وتأييد وتعبئة للرأي العام.

أشهر حملة توقيعات قادتها حركة "تمرد" العام 2013، ومهدت للإطاحة بـالرئيس "محمد مرسي"، عقب إعلانها جمع ملايين التوقيعات، وسط تشكيك من مؤيدي مرسي وقتها في الأرقام، وردهم بحملة توقيعات بعنوان "مؤيد".

وقبيل ثورة يناير/2011، أطلق معارضون حملة "معا سنغير"، تضمنت 7 مطالب إصلاحية، منها الدعوة لإنهاء حالة الطوارئ وقتها وتسهيل السماح للمستقلين بالترشح لرئاسيات 2011.

ومهدت تلك التوقيعات، التي تصدرها يومها محمد البرادعي المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، للإطاحة بالرئيس الأسبق، حسني مبارك، في عام 2011.

ويعود تاريخ توقيعات المصريين إلى عام 1881 م عندما قرر الشاعر عبدالله النديم جمع توقيعات شعبية لمساندة ضابط الجيش أحمد عرابي، للحديث باسم الشعب في مطالب شعبية وقتها أمام حاكم البلاد، الخديوي توفيق.

وتبقى حملة التوقيعات الأشهر بتاريخ مصر، عام 1918م، المعروفة بتوقيعات سعد زعلول (1858 – 1927م) حيث منحه المصريون توقيعات للمطالبة بجلاء الإنجليز المحتلين للبلاد آنذاك ولتشكيل وفد يتحدث باسمهم. 

قد يعجبك أيضاً

المزيد من الكاتب

+ There are no comments

Add yours