أّذربيجان ومصر والعرب وحصاد ربع قرن من الاستقلال

1 min read

لا تبني أمة نهضتها عبثا، أو بضربة حظ؛ وإنما تبنى برؤية وإدارة قاداتها وإرادة شعبها.. لحمة الأمة ووحدتها على الهدف، والإيمان بالمصير المشترك يصنع المعجزات، ويحقق الاستقلال.

وثمة تجارب لدول عانت مثلنا، بل وربما أضعاف أضعاف ما عانيناه، وتمكنت في النهاية من صنع حاضر يصلح أن يكون لبنة أو نبتة خير لمستقبل مزهر.

دول بات حاضرها ملهما لأبنائها، مفجرا لطاقاتهم، مشبعا لأحلامهم، موظفا لرغباتهم فيما يصب في صالح الأمة بأسرها، معينا لهم على تحقيق أحلامهم.

ونحن في مصر.. بحاجة لأن نعرف أكثر عن هذه البلاد وتجاربها، خاصة وأن النية معقودة الآن على ما يبدو من سياسة مصر الخارجية على تجديد وتقوية تحالفاتنا مع دول أوروبا الشرقية وآسيا، وخاصة الصين وكازخستان وسنغافورة، ومن بين هذه الدول من ماثلنا الآلام، ولازمنا طريق النهضة والتحرر؛ لكنهم وصلوا قبلنا على ما يبدو.

من بين هذه الدول.. دولة تقبع في أوروبا الشرقية.. من أصدقائنا الذين لم نستفد بعد من تجاربها على ما بدا لي.. إنها أذربيجان.

لا يعنيك الاسم أو المكان.. ما يعنيك هي تلك السطور التي ستكشف لك عن دولة إسلامية، عانت أشد معاناة تحت نير الاحتلال السوفيتي، حتى تمكنت في ربع قرن من تحقيق الاستقلال الوطني، ووضع قدم صدق على طريق النهضة.

دولة تقع في مفترق الطرق بين أوروبا الشرقية وآسيا الغربية.. يحدها بحر قزوين إلى الشرق وروسيا من الشمال وجورجيا إلى الشمال الغربي وأرمينيا إلى الغرب وإيران في الجنوب.

في 18 أكتوبر عام 1991، عقد المجلس الأعلى لجمهورية أذربيجان جلسة تاريخية، لتحقيق آمال وطموحات الشعب الآذرى بالحرية والاستقلال، واعتماد دستور البلاد كخطوة طال انتظارها، والاعتماد بالإجماع للقانون الدستورى “حول استقلال جمهورية أذربيجان”. 

إن الاختيار الواعى لشعب أذربيجان بالاستقلال عن الاتحاد السوفيتى مهد الطريق نحو استعادة الحرية الوطنية والقومية واستعادة حلم إقامة الجمهورية الديمقراطية الأولى في الشرق الأوسط والتي كانت قد أقيمت لعامين في عام 1918.

بمجرد إعلان أذربيجان لاستقلالها، علا صوت الحرب في ناغورني قرة باغ مع أرمينيا، وبحلول نهاية الأعمال العدائية في عام 1994، فقدت أذربيجان السيطرة على ما يصل إلى 20% من أراضيها، بما في ذلك ناغورني قرة باغ نفسها، وقتل ما يقدر بنحو 30 ألف شخصاً وشرد أكثر من مليون آخرين.

ورغم فداحة تضحيات الدولة الحديثة، إلا أن ذلك لم يفت من عزم قائدها ولا عزيمة أبنائها، وواصلوا المسير نحو النهضة، وتخطت سريعا على غير ما تفاءل به الأصدقاء، وكرهه الأعداء كل العقبات والمشكلات الجيوبولوتيكية الإقليمية المعقدة آنذاك، وشرعت في ترسيخ الاستقرار الداخلى، وحل قضية الانكماش الاقتصادى. 

فكانت عودة حيدر علييف للقيادة السياسية استجابةً للنداءات الشعبية الملحة، بمثابة البعث الجديد لإرادة الأمة الأذرية، من أجل المضي قدمًا في طريق التطور الديمقراطى، وبناء التحالفات والصداقات والتكامل مع دول المحيط الأوروبى الشرقى. 

رسمت القيادة الواعية بداية الطريق في مختلف المجالات، فحددت أهدافها الاستراتيجية فيما يخص سياسيتها الخارجية، والسعي لتحقيق طموحاتها المتعلقة بالاندماج في منطقة أوروبا الأطلسية، وتعزيز علاقاتها الثنائية بدول الجوار، وبالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ودول آسيا وأفريقيا ودول الجنوب الأمريكي. 

وأولت السياسة الخارجية الجديدة عناية خاصة لإعادة بناء العلاقات التاريخية بين أذربيجان والعالم العربي المسلم، وصدر دستور جديد لأذربيجان عن طريق الاستفتاء الوطني الذى جري في 12 نوفمبر عام 1995، كجزء من عمليات الدمقرطة واسعة النطاق لأوجه الحياة في أذربيجان، كما صدرت أيضا مجموعة قوانين تقدمية جديدة أفضت إلى تغييرات جذرية في النظام التشريعي للبلاد كنتيجة للإصلاحات الجارية. 

وفي ظل هذه التغيرات حصلت أذربيجان على عضوية منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وتم القبول بها في المجلس الأوروبي، كما انضمت للشراكة في مبادرة سلام حلف الناتو عام 1994.. ومنذ ذلك الحين وهى تنخرط في تعاون مؤسسي مع حلف الناتو.  

بعد وضع أسس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، تم التغلب تدريجيا على تراجع الإنتاج وركود الاقتصاد، وبدأت مرحلة جديدة من مراحل التطور الاقتصادي لأذربيجان. 

فحين انتخب حيدر علييف رئيسا للبلاد عام 1993، كانت البلاد تشهد تراجعا في إجمالي الناتج المحلي يتراوح ما بين 20% إلى 23%؛ لكن نتيجة للخطوات العاجلة التي اتخذت تحت قيادته تمكن الاقتصاد الأذري من تجاوز محنته، وشهد أول انطلاقاته عامي 1994- 1995، وبلغ مرحلة الانتعاش في العام 1996.

كما ساعدت الإصلاحات الاقتصادية والاستراتيجية الوطنية في مجال الطاقة، التي وضعها ونفذها الزعيم علييف على تحسين الوضع المالي في البلاد، حيث تنامت ميزانية الدولة مع نهاية كل عام عن سابقه. 

وفي سبتمبر عام 1994 كانت أذربيجان قد تأهبت لتوقيع “عقد القرن” مع 11 شركة نفط متعددة القوميات من ثمانى دول بهدف تطوير حقول النفط تحت الماء في القطاع الأذربيجاني من بحر قزوين. ومنذ عام 1994 تم استثمار ما يربو على 18.4 مليار دولارا في قطاع النفط والغاز بأذربيجان في إطار العقد، ومن المقرر أن تبلغ أكثر من 30 بليون دولارا خلال السنوات القليلة المقبلة.

وحرصا من القيادة الأذرية على حماية الثروة التي تدر خيرا وفيرا على البلاد، فقد وضع “علييف” ما عرف باستراتيجية النفط، الأمر الذي دفعه لتأسيس “صندوق الدولة للنفط في جمهورية أذربيجان”، وذلك لضمان شفافية الكشف عن عائدات النفط والعدالة بين الأجيال فيما يتعلق بفوائد الثروة النفطية للبلاد، على نحو يتم بموجبه تحقيق الرفاهية الاقتصادية للسكان اليوم وغدا، وحماية الأمن الاقتصادي للأجيال القادمة على حد سواء.  

ويكفي للتأكيد على الدور الحيوي الذي تلعبه أذربيجان في أمن الطاقة في أوروبا ذكر تنوع شبكة أنابيب النفط والغاز الأذربيجانية، وبشكل خاص الخط الرئيسي لتصدير النفط – خط باكو – تبيليسي – جيهان، وخطوط نفط باكو – سوبس وباكو – نوفاراسيسك وخط الغاز باكو – تبيليسي – آرزروم. 

إن موقع أذربيجان الاستراتيجى عند تقاطع طرق التجارة الكبرى الممتدة بين الغرب والشرق، وممرات النقل والطاقة بين الشمال والجنوب توفر أصولا هامة لتحويل البلاد إلى محور للبنية التحتية والطاقة. وفى هذا الإطار، وحين تصبح مشاركا فاعلا مع البلدان المجاورة، تقوم أذربيجان بتطوير مكونات الهواء والأرض، وطرق السكك الحديدية والبحرية الخاصة بطريق الحرير القديم، كما أن البنية التحتية لطرق السكك الحديدية الإقليمية الممتدة بين أذربيجان وجورجيا وتركيا، سوف توفر فرصا هائلة لتقديم كافة أنواع عمليات شحن البضائع بين آسيا وأوروبا.

بعد هذه الإصلاحات في المجال السياسي والاقتصادي التي امتدت على مدار 25 عاما، فقد تحولت أذربيجان من دولة متلقية للمعونات إلى دولة مانحة، كما تجاوز الاحتياطى النقدى الأجنبى 55 مليار دولارا أمريكيا قابلا للزيادة. واستقر الاقتصاد الأذربيجاني في المركز الـ37 حسب مؤشر التنافسية العالمية في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2016. 

وللدولة الأذرية في ظل قيادتها الحالية برئاسة إلهام علييف رؤية لـ2020، حيث تبحث الوصول إلى مرتبة الدول المتطورة، وتعتبره هدفا مشروعا في ظل ما أنجزته الدولة خلال الربع قرن الماضية. 

فقد استطاعت أذربيجان مضاعفة الناتج المحلى الإجمالى ثلاثة أضعاف تقريبا، وتقليص معدلات الفقر من 49% فى عام 2003 إلى 5% عام 2012، كما بلغ حساب الميزان الاقتصادى الخارجى 80% من إجمالى اقتصاد منطقة القزوين بأكملها، الأمر الذي أدى إلي تقليل نسبة البطالة إلى 5%، كما تم توفير مليون وأربعمائة ألف فرصة عمل (ومنها نحو 60 ألف فرصة عمل فقط خلال ست أشهر، لعام 2015) خلال السنوات الاثنتي العشرة الماضية. وخلال الفترة من عام 1995 وحتى عام 2015، جرى استثمار تقريبا 200 مليار دولارا أمريكيا فى الاقتصاد المحلى للبلاد. 

كذلك استطاعت أذربيجان الحفاظ على تماسكها رغم الاختلافات الدينية والعقدية بها، ولطالما كانت موطنا للتعايش والتسامح، ما جعلها عضوا فعالا فى جماعة أصدقاء تحالف الحضارات، حيث تساهم بوعي فى تعزيز الحوار بين الديانات والثقافات. 

كل ما سبق ساق أذربيجان لتكون عضو فعال فى العديد من المنظمات الإقليمية والدولية، من بينها  منظمة الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، ومنظمة التعاون الإسلامى، ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية ومنظمة التعاون الاقتصادى، والمجلس الأوروبى وغيرها. ولها برنامج خاص بالشراكة الشرقية للاتحاد الأوروبي وبرنامج فردي مع حلف الشمال  الأطلسي. 

وهذه المكانة والرؤية الشاملة دفعت أذربيجان وعلى ضوء التغيرات الجارية فى المنطق إلى تجديد واستعادة وتوطيد  أواصر العلاقات التاريخية مع العالم العربى والإسلامى والتى تتمتع بطبيعة الحال بالأولوية فى إطار السياسة الخارجية لأذربيجان في الوقت الحالي، الأمر الذي من شأنه فتح  فرص جديدة لتعزيز آليات الشراكة القوية مع بلدان المنطقة، وتأتي مصر على رأس الدول التي تستهدف أذربيجان تعميق العلاقات معها. 

فتنتوي جمهورية أذربيجان فتح صفحة جديدة للتعاون مع مصر، ولدى الدولتين النية لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، حيث يدرس الجانب الأذربيجاني في الوقت الراهن المشاريع الاقتصادية الواعدة التي سوف يتم تنفيذها في المرحلة القادمة بمصر.

وهنا يمكننا القول بأن التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين شهد تطورا إيجابيا، حيث سجَّل التبادل التجاري الثنائي أكثر من 3.6 مليارات دولار أمريكي خلال السنوات الخمس الماضية، شاملة مجالات النفط والمشتقات النفطية من الجانب الأذربيجاني، وتصدير الجانب المصري إلى أذربيجان بعض المنتجات التي من أهمها الدواء بما يقدر بـ25 مليون دولار أمريكي سنويا.  

و يبذل الجانبان مجهودات كبيرة للتعجيل بعقد اللجنة المشتركة بين البلدين، والتي من المتوقع انعقادها في 30 نوفمبر المقبل. وفي إطار اللجنة المشتركة سوف يدرس الجانبان أهم مشروعات اقتصادية مطروحة للشركات الأذربيجانية ورجال الأعمال بحيث يمكنهم تنفيذها والاستثمار فيها.

لكن ما سبق يجعل من الضروي التأكيد على أن هذه الدولة المسلمة الناهضة لها قضية لا ولم ولن تموت، وحق تؤكد قيادته أنه سيعود، ويأتي هنا دور الشعوب العربية والإسلامية في معرفة هذه القضية والدفاع عن هذا الحق، إنه الاحتلال الأرميني لخمس مساحة أذربيجان ومنها إقليم ناغورني قرة باغ.

إن أرمينيا باستمرار احتلالها لأراضي أذربيجان تعد خطرا على السلم والأمن الإقليمي والدولي، ومعوق في طريق التطور الإقليمى بكامل مقدراته فى جنوب القوقاز. 

ففوق المعاناة الاقتصادية والإنسانية الأذرية من قتل ونزوح، هناك معاناة ثقافية. فلم يسلم أثر تاريخى أو ثقافى أذربيجانى بما فيها المواقع الإسلامية التراثية من التخريب أو التدمير، كما لم يسلم موقع مقدس من التدنيس فى الأراضى التى احتلتها أرمينيا أو فى الأراضى الأرمينية نفسها.

وهنا يأتي دور مصر والدول العربية والإسلامية في دعم وإبقاء هذه المظلومية وذلك الحق حيا على الصعيد الدولي، والضغط من أجل تمكين الدولة الأذرية من استعادة أراضيها السليبة استنادًا لميثاق الأمم المتحدة، لا سيما تلك المنصوص عليها فى المادة 51، والتي تنص على حق الدول فرادى وجماعات في الدفاع عن أنفسهم حيال أي عدوان مسلح عليهم.

          

قد يعجبك أيضاً

المزيد من الكاتب

+ There are no comments

Add yours