آسيا اليوم
هدم منازل الفلسطينيين.. سياسة ممنهجة وفق استراتيجية موضوعة تمارسها إسرائيل بغرض طمس الهوية الفلسطينية، وحدود الدولة المقررة للفلسطينيين.
وتنفذ إسرائيل هذه السياسية طويلة المدى مبررة ذلك تارة بإرث اليهود التاريخي إلى غير ذلك من الأساطير، وأخرى انتقاما ممن يقومون بأعمال مقاومة ضد الاحتلال، وهو ما نسميه في “آسيا اليوم” (استراتيجية الطمس والردع).. أي طمس الهوية والحدود وردع وتخويف كل المقاومين للمحتل وممارساته.
ليلة أمس السبت، أخطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي بهدم منازل في بلدة “يطا” جنوب الخليل بالضفة الغربية.
وأبلغ منسق اللجان الوطنية والشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان جنوب الخليل راتب الجبور، وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، بأن قوات الاحتلال شددت من حصارها على بلدة “يطا” وأغلقت كافه منافذها وأخطرت شفهيا عائلتين فلسطينيتين بضرورة إخلاء منازلهم لهدمها.
وتنوي اسرائيل هدم منازل عائلة “مخامرة” الفلسطينية حيث تتهم شابين من العائلة بتنفيذ عملية إطلاق نار داخل مجمع تجاري في تل أبيب قبل ثلاثة أيام.
وردت سلطات الاحتلال الإسرائيلية على عمليات الطعن التي نفذها شبان فلسطينيون أخيراً، بإنذار عائلاتهم بأنه سيتم هدم منازلهم خلال 72 ساعة، في إجراء عقابي ضد منفذي الهجمات، لم يثبت فاعليته في ردع الفلسطينيين.
وفي وقت سابق أفادت وزيرة العدل الإسرائيلية أييليت شاكيد، تصريحات نقلتها الإذاعة الإسرائيلية، أن «وزارتها ستتخذ إجراءات سحب الجنسية أو حق الإقامة الدائمة من منفذي العمليات وعائلاتهم، وسيتم أيضاً مصادرة أملاكهم وهدم منازلهم».
وكانت صحيفة هآرتس، قد نشرت أوائل شهر يونيو/حزيران الجاري، بأن الاتحاد الأوروبي بصدد إرسال رسالة شديدة اللهجة إلى إسرائيل بسبب استمرارها في هدم منازل الفلسطينيين في المناطق “ج” بالضفة الغربية، لأن ذلك من شأنه توتير العلاقة بين تل أبيب وبروكسل.
فبموجب الاتفاق الانتقالي بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية (المعروف أيضا بـأوسلو 2) في عام 1995، قسمت إسرائيل الضفة الغربية المحتلة إلى ثلاث مناطق: “أ” و”ب” و”ج”. وتشكل المنطقة “ج” -الخاضعة أمنيا ومدنيا لسلطات الاحتلال- 60% من أراضي الضفة الغربية المحتلة.
وذكرت هآرتس أن سفير الاتحاد الأوروبي لدى إسرائيل لارس أندرسون، وجه تحذيرًا لمنسق شؤون المناطق الفلسطينية في الحكومة الإسرائيلية الجنرال يوآف مردخاي، بسبب سياسة الهدم المكثف في الآونة الأخيرة للمنازل والمباني الفلسطينية، ولا سيما التي تُشيد بأموال أوروبية؛ لكن مردخاي أبلغه بأن الهدم سوف يستمر.
ولفتت الصحيفة إلى أنّ الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية قررت إعادة رسم خرائط بعض الأراضي الفلسطينية، من خلال تسميتها “أراضي دولة”، تمهيدًا لتوسيع بعض المستوطنات الإسرائيلية.
وكشفت أنّ الإدارة المدنية قامت من خلال طاقم متخصص العام الماضي (2015) بإعادة ترسيم حدود 62 ألف دونم، بغرض التمدد في البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، وهو رقم كبير نسبيا مقارنة بالأعوام السابقة.
وفي السياق ذاته، جاء في موقع “ويلا” الإخباري أن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة سيمارسان ضغوطًا على إسرائيل من خلال إصدار تقرير “قاسٍ” بحقها، بسبب فشل عملية السلام؛ لكن شيئا لم يحدث من هذه الضغوط.
وذكر الموقع أن اللجنة الرباعية الدولية -المكونة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا- على وشك إصدار مسودة تقرير يهاجم إسرائيل، بسبب الجمود السياسي مع الفلسطينيين والوضع السائد في الضفة الغربية.
غير أن الموقع قال إن الخلافات بين أعضاء اللجنة تعرقل صدور التقرير، ومع ذلك فإن تعيين أفيغدور ليبرمان وزيرًا للدفاع الإسرائيلي قد يعجّل في صدوره، متوقعا أن يشن التقرير هجوما على السياسة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهدمها منازل الفلسطينيين، والعنف الذي يمارسه المستوطنون.
وتنتهج إسرائيل سياسة هدم منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة على سبيل العقاب منذ عام 1967.
وتغيَّر مدى استعمال هذه الوسيلة على مرِّ السنين، بما في ذلك مدة تصل إلى نحو أربعة أعوام (1998 – 2001) لم تستعمل فيها إسرائيل هذه الوسيلة.
وكان الهدف المُعلن من هدم البيوت هو إلحاق الضرر بأقارب الفلسطينيين الذين نفذوا عمليات ضد الإسرائيليين، من أجل ردعهم عن تنفيذ مثل هذه العمليات؛ لكن المتضررين الفعليين من هدم البيوت هم من أفراد الأسرة، بينهم النساء والمسنون والأطفال.
وبالرغم أن إسرائيل تقول أنها تهدم بيوت منفذي العمليات فقط، إلا أن قوات الاحتلال هدمت البيوت المجاورة لها خلال انتفاضة الأقصى التي استمرت نحو خمس سنوات (2000 – 2005).
جدوى الهدم
وعلى رغم أن إسرائيل تعتبر هدم المنازل عقاباً رادعاً، إلا أن الكولونيل احتياط أريه شاليف، قال في كتابه عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أن تأثير العنف زاد في أعقاب هدم المنازل.
وفي شباط/فبراير 2005، خلصت لجنة عسكرية إسرائيلية إلى أن سياسة هدم منازل الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات عسكرية ضد إسرائيل غير مجدية في ردعهم عن مواصلة المقاومة، ما دفع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك شاؤول موفاز إلى الموافقة على توصيات بوقف “موقت” لهدم البيوت.
وصادق موفاز على توصيات اللجنة المذكورة التي أمرت بتشكيلها رئاسة الأركان على تغيير السياسة المتبعة لهدم البيوت، وقرر التوقف عن استخدام صلاحية هدم البيوت من أجل الردع.
وتوصلت الدراسة التي أجرتها اللجنة، انطلاقاً من حسابات “الربح والخسارة” إلى أن هدم منازل عائلات الفلسطينيين “لا يشكل رادعاً في غالبية الحالات، وأن الأضرار الناجمة عن الهدم تفوق المكاسب، وذلك لأن الردع المحدود في أحسن الحالات لا يوازي الحقد والكراهية اللذين تثيرهما عمليات الهدم لدى الفلسطينيين”.
لكن التقرير الذي أعد آنذاك لم يتطرق إلى هدم آلاف البيوت، خصوصاً في قطاع غزة، لخلق مناطق عازلة، أو في إطار سياسة “العقوبات الجماعية” ضد الفلسطينيين. كما تجاهل الأسباب الإنسانية التي توجب وقف هذه السياسة، والتعويض على الذين كانوا ضحايا لها.
وجاءت استنتاجات اللجنة مطابقة لتقرير داخلي للجيش الإسرائيلي نشر عام 2003، أشار إلى أنه “لا يوجد أي إثبات بأن هدم البيوت يقلص العمليات”، وإلى أن عدد العمليات الفلسطينية ارتفع بعد قيام الجيش الإسرائيلي بأعمال الهدم التي أعلن استئنافها رسمياً عام 2002، وأدى إلى “نتائج عكسية بعدما شكل ذلك حافزاً لتنفيذ مزيد من العمليات”.
ولم تتوقف إسرائيل عن استخدام هذه السياسة العقابية منذ الانتفاضة الثانية، لكن وتيرة تنفيذها تفاوتت، إلى أن عادت إلى السطح مرة أخرى مع تزايد عمليات الطعن التي ينفذها فلسطينيون أخيراً، والتي لم تستطيع تل أبيب التصدر لها.
العجز الإسرائيلي
اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في تشرين الأول/أكتوبر الماضي عدم وجود علاج سريع لموجة الهجمات الفلسطينية الفردية التي تعرضت لها إسرائيل في الأيام الأخيرة.
وأشعر اعتراف نتانياهو بأنه لا يملك حلاً سحرياً لوقف الهجمات الإسرائيليين بالعجز، وتفضيلهم البقاء في البيت على الخروج إلى مجمعات التسوق أو التجول في الشوارع.
ووجهت إحدى الأمهات رسالة لنتانياهو عبر صحيفة “يديعوت أحرونوت” قالت فيها أنه “لم يعد لنا مكان آمن سوى البيت، هذا الذي يمنحنا بابه المغلق أوهاماً من الشعور بالأمان”، مضيفة: “في هذا الواقع المشوه الذي نعيشه، فإننا تحت نوع من الحصار، كل يلتزم بيته، يعيش في عزلة، يشعر بالاختناق، وهذا لا يطاق”.

+ There are no comments
Add yours