يعيش اليمن.. وسط ركام المنازل المحطمة، ومئات الآلاف من النازحيين والمشرديين.. فقد حلت أمس الذكرى الـ 16 للوحدة الوطنية اليمنية، في وقت احتدمت فيه المعارك المسلحة بين الجيش اليمني الشرعي وجماعات الحوثي المسلحة وأنصارها.
وتأتي ذكرى الوحدة الوطنية هذا العام في ظل حالة من التمزق والتشرذم في الداخل اليمني، ووسط مساعي خفية لتمزيق الوحدة الوطنية وتقسيم اليمن من الداخل، ودعاوى بفك الارتباط بين الشمال والجنوب اليمني.
فاليمن السعيد لم يعد على حالته، فمنذ احتلال جماعة الحوثي المدعومة من إيران بقوة السلاح للعاصمة اليمنية صنعاء والسيطرة على المؤسسات الحيوية بالدولة، بات شبح التقسيم مسيطرا، وذلك رغم الضربات الجوية للتحالف العربي.
ذكرى الوحدة
والوحدة الوطنية اليمنية هي توحيد وطني بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وقامت الوحدة على أسس القومية اليمنية.
وكانت الوحدة هدفاً لكلا النظامين في الشمال والجنوب منذ ستينيات القرن العشرين وكلا الجمهوريتين أنشئتا مؤسسات خاصة لشؤون الوحدة ولكن إختلاف النظام السياسي والإقتصادي كان عاملا معرقلاً.
تم إعلان الوحدة رسميا في 22 مايو 1990 وإعتبار علي عبد الله صالح رئيسا للبلاد وعلي سالم البيض نائب لرئيس الجمهورية اليمنية.
غياب الاحتفال
على غير العادة غبابت مظاهر الاحتفال السنوي بعيد الوحدة الوطنية، في حين سيطرت الشعارات المعادية للتيارات السياسية المختلفة.
ففي العاصمة صنعاء الخاضعة بقوة السلاح تحت سيطرة جماعة الحوثي المتمردة، اعتلت لافتات تندد بالتحالف العربي، والسلطة اليمنية الشرعية، منصات احتفال الجماعة، فيما انتشرت لافتات تطالب بفك الارتباط بين الجنوب والشمال اليمني في محافظات الجنوب.
فك ارتباط الجنوب
وقال الرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض: “في ذكرى عظيمة على قلوب كل شرفاء الجنوب وهي ذكرى اعلان فك الارتباط وإعلان استعادة دولة الجنوب نأكد انه قد أثبتت الأحداثُ والمنعطفاتُ السياسيةُ صحةَ وصوابَ نهجِ شعبِ الجنوبِ التحرري المطالبِ بالاستقلال وطردِ المحتل اليمني من أرضِ الجنوب العربي واستعادةِ وبناءِ دولتِه المستقلة، وإن استمرارَ احتلالِ الجنوب عسكرياً وسياسياً لايسببُ خطراً على شعبِ الجنوبِ فحسب، بل على دولِ الجوار”.
وأضاف في بيان له بمناسبة الوحدة اليمنية، أن مشروعَ الوحدةِ بين الدولتين كعقدٍ دولي استمر ثلاثَ سنواتٍ ولم يُكتب له النجاحُ وفشل وانتهى بعد إعلان الحرب على الجنوب سنة ١٩٩٤م.
وتابع: نذكر أيضا في 4– 5 يونيو 1994، اكتسبت أزمةُ الجنوب بعداً إقليمياً في البيان الصادر عن الدورةِ الواحدةِ والخمسين لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي المنعقدةِ في مدينةِ أبها في المملكةِ العربيةِ السعودية، الذي أكد على عدمِ جواز فرض الوحدةِ بالقوة، وبالتالي فإن بقاءَها لا يمكنُ أن يستمرَ إلا بتراضي الطرفين وأمام الواقع المتمثل بأن أحدَ الطرفين قد أعلن عودتَه إلى وضعِه السابق وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية فانه لا يمكنُ للطرفين التعاملُ في هذا الاطار إلا بالطرق والوسائلِ السلمية”.
وأردف: “بهذه المناسبة نجدد مطالب شعب الجنوب العربي التحررية لدول التحالف العربي والتي وجهناها بمضامين خطابنا بمناسبة الذكرى الاولى لعاصفة الحزم، وننوه ان أي تأخير في دعم شعب الجنوب باستعادة دولته وفق مايلوح في افق سيناريو المشهد السياسي الرتيب من حوارات عقيمه لايستفيد منها سوى منظومة الشمال سياسية وعسكرية كانت في صف الشرعية او صف الحوثيين والمخلوع صالح. واذ نحذر أيضا بأن إعادة إنتاج نتائج مخرجات الحوار اليمني من نظام أقاليم أو أي حلول تنتقص من حق شعب الجنوب العربي ستكون مصيرها الفشل”.
بدوره وجه الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي خطاباً هاماً بمناسبة الذكرى قال فيه إن “الوحدة المباركة قد تعرضت للغدر من أولئك الذين حاولوا استثمارها لتثبيت مجد مزيف وعظمة لم تكن لائقة بهم ولا تصلح لتكون في قاموسهم المليء بالمكر والخديعة والزيف، فعملوا على تحويل الجمهورية اليمنية العظيمة الممتدة على مساحة شاسعة إلى ضيعة لهم ولعائلتهم يأكلون خيراتها ويرمون بالفتات لسائر أبناء الشعب اليمني العظيم“.
وأضاف رئيس الجمهورية: “لقد ذهبنا للمشاورات في الكويت وهدفنا إنهاء الانقلاب وإحلال السلام وإيقاف نزيف الدم اليمني الغالي ووقف الدمار والآلام والمآسي، ذهبنا نحمل همكم جميعاً رجالاً ونساء شباباً واطفالاً من صعدة الى المهرة ومن الحديدة الى المكلا، وقدمنا التنازلات من أجلكم ، وصبرنا و تحملنا امام اللامبالاة التي يمارسها الانقلابيون ، وقدمنا المرونة الكاملة باعتبارنا مسؤولين نشعر بمسؤوليتنا عنكم ، وكل يوم تثبت تلك المليشيات ان لا همّ لهم إلا السلطة”.
من جانبه قال الباحث والمحلل السياسي أيمن نبيل، إن ثورة فبراير 2011، كانت آخر زفرة وطنية مكنّت من إعادة تعريف الوحدة بهدوء وبطرق سياسية، ولكن حروب الحركة “الحوثية” و”صالح”، المتواصلة منذ الربع الأخير عام 2014، أجهزت على النقاش السياسي لفكرة الوحدة.
وأضاف نبيل لـ “الأناضول”: “أضحت المقاربة لموضوع الوحدة تعتمد بالأساس على سياسات الهوية والشوفينية، وبالتالي انتهاءها نظريًا، خاصة مع دخول أطراف إقليمية ترى في الانفصال مصلحة استراتيجية لها، وتكرس هذا إعلاميًا وعلى الأرض”.
ومنذ عام 2007، بدأت أصوات جنوبية تطالب بفك الارتباط عن الشمال، حيث يرفع المنتمون لمكون “الحراك الجنوبي “، علم دولة الجنوب العربي الذي كان متواجدًا قبل الوحدة اليمنية، لكن الأصوات المطالبة بالانفصال تعالت هذا العام مع تحرير “عدن”، ومدن الجنوب من الحوثيين.
سيطرة حوثية
ورغم الضربات الجوية لقوات التحالف العربي، والحملات العسكرية لقوى المقاومة الشعبية لم تستطع الحكومة اليمنية حتى الآن فرض سيطرتها على الأوضاع في الداخل اليمني.
فالعاصمة صنعاء وأجزاء كبيرة من المحافظات الشمالية تقع في قبضة جماعة الحوثين، فيما يسيطر تنظيم القاعدة على عاصمة محافظة أبين، وأجزاء من محافظة شبوة، جنوبي البلاد، في ظل مطالبة الحراك الحنوبي بالانفصال.
وتحاول الحكومة اليمنية حلحلة الأوضاع في اليمن، ووأد الصراع الذي أودى بحياة ما يقرب من 7000 شخص، وشرد أكثر من 2.5 مليون يمني، وفق إحصائيات الأمم المتحدة.
مفاوضات الكويت
وأعلنت الحكومة اليمنية تراجعها عن قرار الانسحاب من مفاوضات السلام مع الحوثيين، الذي اتخذته الأسبوع الماضي، وقالت إنها ستعطي المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة فرصة أخيرة.
وأعلن الرئيس اليمني، عبدربه منصور هادي، الموافقة بالاستئناف، خلال مباحثات أجراها مع أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، على هامش أعمال منتدى الدوحة السادس عشر، بعد أن قدمت الأمم المتحدة ضماناً بالالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216.
وقال مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن إسماعيل ولد شيخ أحمد في بيان أصدره إثر لقائه في الدوحة مساء السبت الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إضافة إلى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، إن الوفد الحكومي سيعود إلى طاولة المشاورات.
وأكد وزير الخارجية اليمني عبد الملك المخلافي بعد اللقاء أن المشاورات اليمنية أمام فرصة أخيرة لتحقيق السلام، مؤكدا حصول الوفد الحكومي على ضمانات دولية وإقليمية بالتزام وفد الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام بمرجعيات الحل السياسي.
أما المتحدث باسم الحوثيين محمد عبد السلام، فأكد التزام وفد الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام بهذه المرجعيات، مضيفا أن وفده مستعد لتقديم التنازلات في سبيل إنجاح الحوار.
وكان الوفد الحكومي قد علق الثلاثاء الماضي مشاركته في المشاورات مع الحوثيين وحلفائهم من الموالين للرئيس السابق علي عبد الله صالح، ملوحا بالانسحاب منها بشكل كامل. وعزا ذلك إلى تراجع الحوثيين عن التزاماتهم.
وقال المخلافي إن الوفد طلب من المبعوث الأممي تعهدا مكتوبا من الحوثيين، يلتزمون فيه بمرجعيات التفاوض وقرار مجلس الأمن الدولي 2216، وإقرارا بشرعية الرئيس هادي.
وينص القرار الصادر عن مجلس الأمن العام الماضي، على انسحاب الحوثيين من المدن التي سيطروا عليها منذ عام 2014، وتسليم الأسلحة الثقيلة التي استولوا عليها إلى الحكومة المعترف بها دوليا.
ودعا المبعوث الدولي إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الأطراف اليمنية إلى الاستفادة من الفرصة التاريخية، على حد وصفه، لاستئناف مشاورات السلام.

+ There are no comments
Add yours