الكونغو الديمقراطية.. عندما يتعايش الإنسان مع حمم البركان

1 min read

في غوما ثالث أكبر مدن الكونغو الديمقراطية، تشهد المحلات التجارية المنتشرة في مختلف أرجائها حركية لافتة ونابعة من هاجس تحقيق النمو الاقتصادي الذي يراود أكثر من مليون ساكن المقيمين فيها.. تطلّعات تبدو ماضية عكس التيار في مدينة تقف على حافة بركان “نيراجونجو”، أحد أكثر البراكين نشاطا في العالم..

غير أنّ هذا الخطر الداهم الذي يتهدّد الحياة في تلك الأرجاء في كلّ لحظة، يمكن أن يتحوّل إلى دافع ووسيلة أيضا للتقدّم بالنسبة لسكان يتطلّعون إلى تحويل الحمم البركانية إلى تحدّي يدفعهم نحوتجاوز جميع العراقيل.. حتى الطبيعية منها.

“نحن واعون ومنتبهون للخطر المحدق بنا، لكن ما عسانا نفعل؟ هكذا هي حياتنا هنا”.. بهذه الكلمات، استهلّ غيزلان موديروا أحد المستثمرين العقاريين، حديثه للأناضول. 

الخطر يتربّص بالمدينة منذ كارثة أحدث إنفجار للبركان في يناير/كانون الثاني عام 2012، ومشاهد الحمم البركانية المندفعة يوميا من فوهته الثائرة، تعيد إلى أذهان السكان تفاصيل المأساة التي تسببت في خسائر جسيمة بالمدينة. كاتشو كاروم، المسؤول بـ “المرصد البركاني” لمدينة غوما، والأخيرة هيئة حكومية أرسيت لمراقبة نشاط البركان، أوضح للأناضول، إنّ “المدينة ترقد على طبقة من الحمم البركانية يبلغ سمكها مترين و50 سنتمترا منذ الانفجار الاكبر للبركان عام 2002، والذي تسبّب في كوارث لثلاثة أرباع المدينة”. 

ومع أنّ خطرا مماثلا كان من الممكن أن يجبر سكان المدينة على مغادرتها، إلاّ أنّ غوما صنعت من ضعفها قوة، وانتفضت من جديد من أجل استعادة اشعاعها الاقتصادي.. فبعد أن دمرت الحمم البركانية بنيتها التحتية في يناير/كانون الثاني 2002، نجح السكان في إعادة بنائها وتحسينها بفضل الحمم البركانية نفسها. مودروا أشار إلى أن “صخور الحمم البركانية التي دمرت المدينة، نستخدمها لإعادة بنائها من جديد”، بعد أن تمكنت شركة ” نيراجونجو للأسمنت” المتمركزة في غوما من استخراج الاسمنت من الصخور البركانية المتراكمة في المدينة. 

ولئن تكفلت السلطات الكونغولية وشركاؤها بتعبيد الطرقات، إلاّ أنّ عددا من السكان، قاموا، من جانبهم، ببناء منازل جيدة وفنادق من فئة 3 نجوم، الأمر الذي أسهم في انتشار المباني والمحلات التجارية والمطاعم الراقية في كل مكان، ومهّد لعودة اقتصاد المدينة إلى سالف عهده. وبهذا الخصوص، علق جوفونال ندابيريه مساعد رئيس بلدية غوما في تصريح للأناضول بالقول إنّ “الوعي بخطورة الموقف دفع السكان إلى استنباط هذه الفكرة الخلاقة”، لافتا إلى أن “السكان والحكومة يقومون ببناء البنية التحتية دون تحفظ أو خوف، ويحملون آمالا بتحقيق التنمية، وبأن تصبح قصة البركان من الماضي ولكنى أيضا جزء لا مفرّ منه للمستقبل”.

وخلص مساعد رئيس بلدية غوما خلص إلى أنّ “بركان نيراجونجو هو بمثابة الجار السيء، لكنه في الآن نفسه ضروري بالنسبة للمدينة وضواحيها”.

وفي السياق نفسه، أكد غيزلان مودروا أنه “ينبغي الاستثمار في غوما من أجل الاستفادة من حاضر أفضل وتجاهل المستقبل وانفجار عام 2002”. أما جوفونال ندابيريه، فعاد ليشير إلى أنه “قبل 2002، كانت المدينة عبارة عن كيان إداري يضم 400 ألف ساكن، ويعاني من نمو اجتماعي واقتصادي بطيء وبنية تحتية تقليدية، لكنها اليوم تعدّ مليون ساكن، وهذا الانفجار الديمغرافي يعود إلى الوضع الاقتصادي الجيد للمدينة ولمزايانا”.

وعلاوة على موقعها، تحتوي غوما على مقومات هامة تساعد على تحقيق تنمية سريعة، فالمدينة تحدها رواندا وتفصلها عن أوغندا وبوروندي بضع مئات من الكيلومترات. كما تتمتع المنطقة بأرض خصبة وبتنوع ثروتها الحيوانية ومناخ معتدل، حيث تحتوي على محميات طبيعية متميزة في منطقة شمال كيفو، من بينها حديقة فيرونغا التي تأوي الغوريلا الجبلية الشهيرة وبحيرة كيفو. ويوجد في غوما، التي تعد القوة الاقتصادية الرابعة في الكونغو الديمقراطية، 7 براكين، واحد منهم في حالة نشاط، لكنه لا يشكل خطرا على المدينة.

كاتشو كاروم، المسؤول في مرصد بركان غوما لفت إلى أن “نيراجونجو يعد نعمة ونقمة في الوقت نفسه. فالفوهات البركانية تقع في قلب المدينة، والأكيد أنه يمكن أن تدمّر غوما بشكل كامل في السنوات القادمة، ومع أن كل ذلك يبقى ضمن خانة الإحتمالات، إلا أنه يبقى أخذه على محمل الجد”. 

من جانبها، تسعى السلطات المحلية إلى تقليل الخسائر البشرية في صورة الانفجار المحتمل للبركان الذي يوصف أحيانا بأنه “لا مفر منه”. وفي تصريحات لوسائل الإعلام، دعت السلطات المحلية، في الفترة الاخيرة، الخبراء إلى “التنبؤ بشكل سريع بانفجار (البركان) في المستقبل لإنقاذ سكان المدينة وحماية الاستثمارات”. 

كما وقع تخصيص بعض المواقع خارج المدينة لاحتواء السكان في حالة الثوران البركاني الذي تتجاهله غوما، استباقا لإمكانية استيقاظ نيراجونجو مجدّدا.

قد يعجبك أيضاً

المزيد من الكاتب

+ There are no comments

Add yours