آسيا اليوم
الصندوق الأسود.. مبتدأ وخبر لجملة هي الأقصر، ولكنها الأطول لمآساينا، وهي الأكثر تعبيرًا وتذكيرًا للمصريين بشهدائهم الذين قضوا نحبهم ولم يدرينا الصندوق الأسود ولا محللي معلوماته أين ومتى وكيف رحل الشهداء.
يظن كثيرون أن وصف الصندوق بالأسود يعود للونه؛ لكن الحقيقة الغائبة أن الصندوق لونه أصفرًا أو برتقالي، وسواده عندنا يعود لآلامنا التي تزامنت مع سماعنا عنه.
كذلك أرجع البعض أنه سمي بالأسود بسبب الكوارث الجوية وحوادث تحطم الطائرات، بينما الرأي الآخر يعود بالتسمية إلى أن مسجلات المعلومات الأولى نفسها كانت عاتمة اللون وسوداء من الداخل لمنع التسربات الضوئية من تدمير شريط التسجيل كما في غرف التصوير الفوتوغرافي.
وأرى أن مصر لم تكن سعيدة الحظ يوما في أن ترى من شريط التسجيل الأسود بياضًا، وأن النور الذي لم ينفذ للصندوق لم يصلنا أيضًا، ولم يحمل لنا ما نريد.
الدولة الضعيفة
بعد الحادث المأساوي الذي استيقظت عليه مصر بفقدان طائرة إيرباص A 320، والتي كانت تحمل على متنها 66 راكبًا، شرع المصريون في التوجه إلى كل وسائل الإعلام العربية الغربية عدا مصر، ليعرف ماذا جرى؟
في مصر كانت الدولة الهشة، تبحث عن معلومة، وعن آلية لإدارة الأزمة؛ لكن وجه الدولة المتمثل في وزير الطيران المدني شريف فتحي، بدى شاحبًا وخائبًا وضعيفًا، ومرتبكًا رغم محاولة التماسك.
الدولة الضعيفة خرجت بعد أكثر من 9 ساعات من سقوط طائرتها في مؤتمر صحفي لم تذكر معلومة، ولم تردد غير أن كل الاحتمالات واردة، ولم تثبت أو تنفي معلومة واحدة مما ذكرها الصحفيون وتناولوها عبر وسائلهم الإعلامية.
الدولة الضعيفة، شاركت ولم تقد هذه الدول التي تسابقت لتقديم يد العون في بريطانيا وفرنسا وأمريكا وغيرها، في البحث عن ضحايا طائرتها مصريين وأجانب.
الدولة الضعيفة لم يكن بوسعها البحث عن الصندوق الأسود؛ لأنها ببساطة إن وجدته فلن تستطع تحليل ما فيه!
فالصندوق الأسود، الذي يمتلك القدرة الفائقة على تسجيل من 30 إلى 120 ساعة، يمكنه أن يحتفظ بالحوارات والاستغاثات، بينما الصندوق الثاني، فيحفظ البيانات الرقمية (الوقت، السرعة، الاتجاه)، والصندوقان مجهٌزان ببث غوص يندلع إذا ما غاصت الصناديق في الماء وتطلق إشعارا فوق الصوتي للمساعدة على العثور عليهما، يبث هذا الإشعار على ذبذبة 37.5 كيلوهرتز ويمكن التقاطه في عمق يبلغ 3500 متر “14000 قدم”، ويستطيعان أن يقوما بضغط الماء 5000 متر (20000 قدم)، وتدوم البطارية إلى 6 سنوات، ولهما 4 قنوات، ودرجة مقاومتهما للنيران 1100 درجة مئوية/1 ساعة.
فهل الدولة الضعيفة كانت مهيأة لاستقبال موجات صندوقها الأسود؟
قال هاني جلال محقق حوادث الطيران بمصر لقناة “سي.بي.سي” إن محتويات الصندوق الأسود للطائرة التي تحطمت سيتم تحليلها في مصر إذا عثر عليه سليما.
وأضاف أنه سيتم إرسال الصندوق الأسود للخارج لتحليله إذا تبين أنه قد أصابه التلف.
ومن جهته قال إيهاب محيي الدين رئيس الشركة الوطنية المصرية لخدمات الملاحة الجوية لنفس القناة، إن المسؤولين المصريين تمكنوا من رصد الطائرة لمدة دقيقة قبل تحطمها ولكن لم تفلح محاولات الاتصال بطاقمها.
وأضاف أنه لم يتم رصد أي شكل من أشكال الانحراف للطائرة وهو ما يتعارض مع تصريح وزير الدفاع اليوناني.
هذه هي أقصى ما صرح به المسؤولون في مصر بعد خمسة أيام من الكارثة، أليست دليل إضافي على ضعف الدولة، التي يشترط أن يكون الصندوق الأسود سليما لتحليله، وأنها لم ترصد أي انحراف لطائرة ثبت بالفعل انحرافها وغرقها!
لكن كانت هناك البحرية المصرية التي جابت غواصاتها سواحل الأسكندريةبصحبة الفرنسية، بحثاً عن الصندوقين الأسودين للرحلة MS804.
كما بدأت السفينة (p.m.s) التابعة لشركة الخدمات البترولية، الإثنين الماضي، عملها فى الموقع المحتمل لسقوط الطائرة المصرية فى البحر المتوسط، فى إطار الجهود المبذولة فى البحث عن الصندوقين الأسودين للطائرة، وذلك عن طريق جهاز (r o v)، والذى بإمكانه الغطس حتى عمق 3 آلاف متر.
وتتحكم السفينة، التى تحدث عنها الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى الجهاز الذى يزن نحو 20 كيلوجراما، ويحمل كاميرا وأزرع تمكنها من التقاط الصندوقين ويتم التحكم فيها عبر شاشة تنقل الصورة إلى السفينة.
وهذا الجانب الأخير للبحرية المصرية ربما يعطينا الوجه الصبوح لمصر التي نأملها؛ لكن شريطة أن نرى مصر تقود علاج كوارثها، وتحافظ على معلومات طائراتها.
الدولة الصديقة
من الطبيعي أن اليونان كانت من أوائل الدول التي بادرت بالبحث عن الصندوقين الأسودين، نظرا لسقوط الطائرة في مياهها الإقليمية؛ وكذلك فرنسا التي انطلقت من مطارها الطائرة، وعلى متنها 15 فرنسيًا.
لكن تبقى هاتان الدولتين من حلفاء مصر في الفترة الأخيرة، حيث تم توقيع عدة اتفاقيات اقتصادية وعسكرية بينهما ومصر، وبالفعل قدما في هذه الكارثة نموذجا للدول الصديقة.
الدولة العميلة
فوفقا لصحيفة نيويورك تايمز كتب مخربون قبل شهرين من سقوط الطائرة عبارة “سنسقط هذه الطائرة ” على ذيلها، لكن مسؤولي مصر للطيران قالوا إن الحادث ربما كان احتجاجا ليس له صلة بحادثة التحطم.
غير أن المحققين الدوليين الذي يحققون في الكارثية يؤكدون أن الجانب المصري يبحث ويحقق من منظور تآمري، وأن احتمال أن يكون الحادث إرهابيا في أولى اهتماماتهم، وهنا يولد من جديد أجهزة استخبارات الدول المعادية لمصر، والمتعاونة مع إرهابيين يتحركون في كل الاتجاهات لأجل فقدان مصر لحلفائها الأوروبيين.
حقا إن ملامح هذه الدولة العميلة لم تظهر بعد؛ لكن تركيا ستكون على رأسها حين تظهر أولى المعلومات التي تثبت صدق الفرضية الإرهابية.

+ There are no comments
Add yours