الأزهر.. شريان واصل من مصر إلى قلب إندونيسيا

1 min read

أبوبكر أبوالمجد صحفي وباحث في شؤون آسيا

حكى لي أحد الأصدقاء السعوديين أن الأزهر رقم في الدعوة يستحيل تجاوزه، فنحن بلاد الحرمين الشريفين ومهبط الوحي فشلنا في اقناع المسلمين في آسيا أن يكتفوا بنا، رغم أننا ننفق عليهم مالًا ولا نأخذ منهم، فيأخذون أموالنا بعد إتمام دراستهم بكلياتنا الإسلامية، ليدفعوا فوقها المزيد حتى يستكملوا تعليمهم بالأزهر.

هذه دلالة  أننا أمام أحد أعرق وأهم قوة ناعمة لمصر في آسيا والعالم بأسره، والتي ربا عدد طلابه الوافدين إليه من 117 دولة حول العالم إلى أكثر من 40 ألف.. إنه الأزهر.

فإذا كان للكنيسة المصرية نفوذًا يجب استغلاله في إفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة لحلحلة بعض القضايا، كقضية المياه مع إثيوبيا، وإحياء مسار العائلة المقدسة مع الفاتيكان وأوروبا، وجذب الاستثمارات وزيادة التحويلات في أمريكا، فإن الأزهر كان ولا زال منارة يشع نورها في قلب كل مسلم؛ بل كل إنسان يدرك كم حمت تعاليم الأزهر وعلمائه مئات الملايين من المسلمين من الشطط.

وإذا كان في العالم دولة تعرف للأزهر قيمته وقدره وجلال دوره في الدعوة إلى الله بعد مصر، فإنها إندونيسيا بدون شك.

فالعلاقات بين إندونيسيا والأزهر تعود إلى عدة قرون، حيث كان الإندونيسيون يستغلون مواسم الحج للقاء علماء الأزهر وسؤالهم عما يشغل بالهم من مسائل الفقه والشريعة، ثم بدأ الإندونيسيون قبل أكثر من قرن ونصف في القدوم إلى مصر لينهلوا من علوم الأزهر ويجلسوا بين يدي شيوخه.

وقد سكن طلاب إندونيسيا في رواق الإندونيسيين، المسمى بـ"رواق إندونيسيا"، والذي أسسه الطلاب الإندونيسيون منذ قرابة أربعة أعوام، ويقوم بعدد من الأنشطة منها: إصدار مجلة تسمى "أزهري"، بالإضافة إلى إصدار كتيبات عن المنهج الأزهري، كما دشن طلاب إندونيسيا في الأزهر موقعين إلكترونيين للدفاع عن الفكر الوسطي.

 وثمة رواق عريق آخر لهم، وهو "الرواق الجاوي"، نسبة إلى جزيرة جاوة، أكبر جزر الأرخبيل الإندونيسي وموطن معظم سكان البلاد، وما زال هذا الرواق موجودًا حتى اليوم في حرم الجامع.

فالإندونيسيون يحتفظون عبر الأجيال بمشاعر الحب والإجلال للأزهر ورجالاته، وليس أدل على ذلك من احتشاد الآلاف من الإندونيسيين وبشكل عفوي عند كل زيارة لعالم من علماء الأزهر؛ فضلًا عن زيارة الإمام الأكبر شيخ الأزهر نفسه، من أجل تقديم واجب الترحيب بممثل الأزهر الشريف.

وإذا كان ثمة مشترك بين المنهج الأزهري الوسطي والشعب الإندونيسي، فإنه ذلك الحب للآخر وإحياء قيم التسامح والعفو والتعايش السلمي.

إن إندونيسيا التي قررت زيادة عدد طلابها الوافدين إلى الأزهر إلى 6 آلاف طالب بدلًا من 5 آلاف، توقن أن أبنائها الذين ترسلهم إلى أحضان الكيان الدعوي العملاق سيعودون إليها حاملين العلم الذي يخدمون به أنفسهم وبلادهم، ويبعث بمزيد من الصلح المجتمعي والسلام بين جميع فئات وأطياف المجتمع الإندونيسي متعدد الأعراق والأديان.

فوسط انتشار جماعات العنف المسلح في كثير من دول آسيا، كانت القيادة الواعية في إندونيسيا تدرك مسؤولياتها، وترى أن تعاليم الأزهر ومبادئه علومه وعلمائه هي الضمانة لأبناء إندونيسيا من الانحراف، والميل إلى جماعة تتخذ من الدين معراجًا للوصول ليس للسلطة وإنما للتسلط على رقاب ومصائر الناس.

كان الأزهر الشريف أيقونة لانطلاق حركة التحرر الوطني في إندونيسيا، إذ شارك في إشعالها كثير من الطلاب الإندونيسيين الذين درسوا بالأزهر، ومن أروقته وكلياته تخرج العديد من رجالات إندونيسيا البارزين، وتقلدوا أعلى المناصب وحصدوا أرفع الأوسمة في بلدهم.

وثقة في هذا الكيان العملاق (الأزهر الشريف)، وقعت إندونيسيا العديد من الاتفاقيات التي تسند إليه تأسيس وإنشاء الكثير من المعاهد الابتدائية والإعدادية والثانوية، التي تدرس مناهج الأزهر، كما ارتبطت جامعة الأزهر بموجب تلك الاتفاقية بعلاقات تعاون مشترك مع الجامعات الإندونيسية في كل المجالات العلمية والأكاديمية من خلال تبادل أعضاء هيئة التدريس لإلقاء المحاضرات الثقافية وإجراء البحوث العلمية، كما تم إنشاء كلية الدراسات الإسلامية لتدريس المناهج الأزهرية بجامعة "شريف هداية الله الإسلامية" الحكومية في جاكرتا.

وهذا ما شجع في مايو ٢٠١٠ على تأسيس فرع للرابطة العالمية لخريجي الأزهر بإندونيسيا، ويقوم الفرع منذ إنشائه بالعديد من الأنشطة، والتي منها ترجمة الكتب الخاصة بموقف الأزهر من بعض القضايا الشائكة، مثل كتاب "بيان للناس"، إضافة لعقد العديد من الدورات التدريبية والندوات الثقافية والعلمية، بالإضافة إلى تنظيم المؤتمرات الطلابية والملتقيات العلمية.

وشهد عام 2016م زيارة تاريخية للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر إلى دولة إندونيسيا، والتي جاءت تلبية لدعوة وجهها إليه الرئيس الإندونيسي في مارس 2015، للمشاركة في افتتاح المؤتمر العالمي حول الوسطية في الإسلام، ولقي الإمام الأكبر استقبالًا حافلًا، من حيث البروتوكولات والتشريفات الرئاسية، عكست عُلُو مكانة وقيمة وقامة الأزهر الشريف وشيخه في قلوب الإندونيسيين، حكومةً وشعبًا.

وتكررت هذه الحالة الخاصة في الاستقبال بالإمام الأكبر في 29 إبريل الماضي، ما يؤكد لك أن الأزهر هو شريان واصل من مصر إلى قلب إندونيسيا.

 

 

 

 

أبوبكر أبوالمجد https://asiaelyoum.com

صحفي وباحث متخصص في شئون آسيا السياسية والاقتصادية

قد يعجبك أيضاً

المزيد من الكاتب

+ There are no comments

Add yours