أوزبكستان في عيون صحفي مصري

1 min read

أبوبكر أبوالمجد صحفي وباحث في شؤون آسيا السياسية والاقتصادية

كمصري.. وكعربي.. فإن انطباعاتي عن أي دولة تبدأ من سفارتها وليس من قراءاتي، فالقراءات قد تجذبني للتعرف على الدولة أو زيارتها؛ لكن سفارة الدولة هي التي تجعلني أحبها أو أكرهها.. أقترب منها أو أبتعد عنها، ربما لكوني صحفي وباحث.


قطعا القراءات عن أي دولة هامة جدا في معرفة الكثير، وقد تتشكل الانطباعات الأولى من خلالها؛ لكن الأهم من الكتب سفراء هذه الدولة أو تلك، ومدى تفاعلهم معك، ومع ما ترغب في معرفته عن دولتهم، فتلك التصرفات والتجاوبات هي الفاصلة بتقديري في أمور كثيرة خاصة حين نشرع في تدوين رؤانا التحليلية حول هذا البلد.


أوزبكستان هي إحدى أكثر الدول التي أحببت الاقتراب منها وكسب المزيد من المعلومات عنها، لما لها من أثر وتأثير كبيرين في التاريخ الإسلامي العريق.. ولما استطاعت من تحقيقه عقب نيل استقلالها عن الحقبة السوفيتية البغيضة على كل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والعلمية والرياضية والثقافية، خاصة بعد الحفاوة التي كنا نراها في كل مرة نزور فيها بيت الأوزبك بالقاهرة، ممثل في سفارة أوزبكستان، بدءً من السفير مرورًا بكل رجالات السفارة.


وفي مقالي هذا سأعرج سريعًا على أهم مشاهداتي الثقافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية لهذه الدولة الصديقة.


أوزبكستان
هي بلاد ما وراء النهر.. تتاريا.. تركستان..‏ تنوَّعت الأسماء والمقصود واحد.. أوزبكستان أو "أرض الأوزبك".‏ 
تعدَّدت اللغات المحكية في أوزبكستان،‏ فبعد الغزو الإسلامي في القرن الثامن،‏ اعتُمدت اللغة العربية،‏ وإثر انضمامها إلى الاتحاد السوفيتي،‏ استعمل الأوزبكيون الأبجدية اللاتينية بدايةً ثم حلَّت محلَّها السيريالية في أواخر ثلاثينات القرن العشرين؛‏ ولكن عام ١٩٩٣،‏ صدر قانون جديد يُعلن عن الأبجدية الأوزبكية بحروف لاتينية.‏


تأثَّرت الحضارة الأوزبكية بشعوب كثيرة على مر التاريخ،‏ فكثيرون وطئوا جبالها وصحاريها من غزاة مشهورين وجيوش جبارة،‏ مثل الإسكندر الأكبر الذي التقى حبيبته روكسانا هناك وجنكيز خان من منغوليا،‏ ولا ننسَ أيضا أمير الأمراء تيمورلنك،‏ وهو من سكان المنطقة الأصليين وحاكم إحدى أكبر الامبراطوريات التي عرفها التاريخ الإنساني.‏


تيمورلنك وسمرقند وطريق الحرير
تيمورلنك.. هو أحد أهم ملوك الدنيا، وقضى 35 عامًا لجعل سمرقند عاصمة أسطورية جذبت إليها منذ العام 1370 العديد من الحرفيين والمهندسين المعماريين والإمبراطورية المغولية بأكملها، واليوم سمرقند محمية بفضل أيادِ خبيرة.


سمرقند كانت عاصمة امبراطورية التتار الكبيرة التي حكمها الأمير تيمور حتى وفاته في العام 1405.
ضريح الأمير من الداخل يثير الإعجاب أيضاً.. الغرفة المزدانة بالذهب، والتي يرقد فيها الأمير تيمور لنك وأبناؤه وأحفاده هي محط إعجاب كل الزوار، فهي نموذج حي عن الفن الزخرفي في القرنين 14 و 15 يمكن رؤيتها داخل الضريح. 


كانت هذه الزخرفات قد بنيت في الأساس لأحد أحفاد الأمير تيمور لنك.
الضريح الأخضر الداكن في الوسط، يعود للأمير تيمور، وهو مصنوع من واحدة من أكبر أحجار الجاد الكريمة.. أما الأضرحة الأخرى مصنوعة من الرخام والعقيق.


يشكل هذا الضريح واحداً من المباني التاريخية العديدة ذات القِباب والمآذن الزرقاء التي يستمتع الزوار بمشاهدتها في سمرقند.
أما سمرقند فهي مدينة على طريق الحرير القديم. الفاتح المغولي تيمورلنك، وبعده حفيده أولوغ بك، جلبوا أكبر علماء وفلاسفة تلك الفترة لها.. المدينة أصبحت مفترق طرق المعرفة، والثقافات، والأديان، والتجارة.. وللحفاظ على هذا التراث الثمين من المناخ القاري، تظل أعمال الترميم مستمرة.


ولمن لا يعرف فإن مهمة الترميم هذه عملية صعبة للغاية ومعقدة نظرًا لدقتها، حيث ضرورة التأكد من أن كل قطعة حجرية متطابقة من حيث اللون والتصميم والحجم، وهي تحتاج إلى جيش من حوالي 90 مرمماً سنوياً على الأقل. 
ومن أبرز ما لفت انتباهي أثناء زيارتي لها، ويلفت انتباه كل زوارها هي تلك الزخارف البديعة، والتي يقول عنها المؤرخ فضل الدين فخري دينوف: "رسومات النباتات على شكل فروع لا نهاية لها بأوراق خضراء جميلة تمثل حدائق السماء.. التزيين على شكل لولب يرمز للحياة الأبدية".


الفسيفساء على شكل نمر على واجهة مدرسة "شير دور" لغز حقيقي.. إنها تتناقض مع الحظر الإسلامي لتصوير الكائنات الحية على المباني الدينية، كما إنها رمز للسعي البشري للمعرفة والثواب من نور الله.
المؤرخ فضل الدين فخري دينوف قال: "على هذا الجدار هناك زخارف هندسية قد تبدو أنها مجرد زينة متعددة الوجوه أو مربعات، لكنها في الواقع حروف وكلمات لو تمعنا فيها لشاهدنا أنها كلمة محمد،رسول الله صلى الله عليه وسلم".


بالقرب من سمرقند، هناك مثال عن العمارة الإسلامية الحديثة.. ضريح الإمام البخاري.. وهو أحد أكثر الأماكن تبجيلاً في العالم الإسلامي.
تم بناء هذا المجمع التذكاري في العام 1998 أعلى موقع الضريح الذي شيد في القرن السادس عشر تكريماً للذي ألف ثاني أهم كتاب للمسلمين بعد القرآن الكريم.. وأمر بتشييده الرئيس والزعيم الخالد إسلام كريموف والذي يعود الفضل له في إحياء تراث أوزبكستان الإسلامي، فضلا عن بناء العديد من المساجد في مختلف بقاع أوزبكستان.


سمرقند اختارت الحفاظ على ماضيها من أجل مستقبل سياحي، وفي العام 2001 إضيفت إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو كمفترق طرق للثقافات.
أما طريق الحرير فهو عنوان للفلسفات والتقاليد والأديان المختلفة، ومن قبلها البضائع من غير شك.. هو الطريق التجاري الأسطوري الذي لا يزال يؤثر على مدينة سمرقند الأسطورية حتى اليوم. 


وبالعودة إلى سمرقند نقول إنها تقع بموقع مثالي على امتداد شبكة من الطرق التي تمتد على مسافة 10.000 كم.. الملايين من التجار مروا بها بالإضافة إلى الدبلوماسيين والحجاج والمحاربين خلال أكثر من 2000 سنة، وتركوا بصماتهم عليها.


كانت المهمة الرئيسية للتجار الذين جاءوا إلى المدينة العريقة من مختلف أنحاء العالم في أوقات مختلفة هي جلب أفضل المنتجات، بالإضافة إلى الرغبة المستمرة في المعرفة، ولتبادل الأفكار الثورية الجديدة، وتبادل الثقافات والتقاليد والأديان واللغات.


من بين تلك الأفكار، التقليد القديم لصناعة الورق، وأصله من الصين. هذه التقنية السرية تم كشفها في سمرقند وطورها من بعد الحرفييون المحلييون. 
الورقة الشهيرة المصنوعة من لحاء أشجار التوت انتشرت بعد ذلك في جميع أنحاء العالم.. ورقة معروفة بجودتها كان يطلق عليها اسم "ورقة الحرير" لنعومة ولمعان سطحها.. عليها كتب العديد من المخطوطات العربية والفارسية في القرنين التاسع والعاشر.


الأمراء والسلاطين والوزراء فقط كانوا يستطيعون الحصول على هذه الورقة، لذلك كانت تُعرف أيضا باسم "الورقة الملكية". 
قوافل طريق الحرير الكبير نقلت كميات كبيرة من هذه الورقة الى بلدانهم في آسيا، وفي الشرق وأوروبا. 
الثقافات المتنوعة التي وصلت إلى سمرقند تركت بصماتها على المطبخ التقليدي الذي يعكس وعاء المدينة الذي تنصهر فيه ثقافات و"نكهة سمرقند" التي لا زالت تفوح في الجو.


قال لي مرشدي محمد صالح مجيدوف: "طريق الحرير الكبير جلب لنا هذه التوابل كجوزة الطيب والقرنفل والفلفل الأسود.. ليست تجارة التوابل فقط بل الحرير والخزف والسجاد والأسلحة التي تلعب دورا مهماً بالإضافة إلى تبادل الموسيقى وآلاتها".


ولطالما كانت المدن الأوزبكية محطات بارزة للقوافل التجارية.‏ ففي القرن الخامس عشر،‏ سلكت هذه القوافل شبكة طرقات سميت بـ"طريق الحرير" والتي وصلت الصين بالشرق الأوسط،  وفُتح مسارًا بحريًا إلى الهند  وقتئذ،‏ وكان نقطة مركزية في التجارة العالمية.
وفيما هيمن الحرير قديمًا على السوق الأوزبكية،‏ تسيطر عليها اليوم صناعة القطن.‏ وتُباع هناك ايضا سجادات جميلة مصنوعة من القطن والصوف والحرير.‏


بخارى
بخارى كانت واحدة من أغنى مدن القوافل بين القرنين السادس عشر والعشرين.. وبلغ عدد الأسواق فيها 50 سوقاً و75 خانة.
المهندس المعماري، زهيرشو كليتشيف قال: "المدينة كان لها 11 بوابة، تؤدي إلى المركز.. على مفترق الطرق شيدت الممرات التجارية، كان يطلق عليها اسم Tok توك. 


الطرق بينها كانت مسقفة لتسهيل الأعمال التجارية.. المركز التجاري المزدحم يشق طريقه عبر الأكشاك المسقفة، وخانات الأسواق لتشكيل واحدة من أكثر المناطق الملونة في العالم الإسلامي. 


يضيف "كليتشيف": "مفترق الطرق الرئيسي كان مسقفاً بالقبة المركزية، وقباب أصغر كانت تغطي الشوارع الصغيرة.. هذه المباني الضخمة كانت تشير إلى مفترق الطرق وتحميها.. الأمر الذي ساعد على إستمرار التبادلات التجارية لفترة طويلة". 


الخانات كانت تلعب دورا رئيسيا في التجارة أيضا.. حيث كانت أماكن للعيش ولتخزين البضائع والقيام بعمليات البيع بالجملة. كانت هناك مخازن كبيرة لحفظ البضائع، وجميع هذه الخانات كانت محاطة بالمحلات التجارية، وباعة التجزئة كانوا يأخذون البضائع من هنا وبيعها في الشارع.. الخانات عبارة عن تحف ثقافية، لم تكن متطورة كالمباني الدينية، لأنها كانت لاستخدامات مدنية؛ لكنها كانت تمتلك أهمية تاريخية".


يمكن أن نجد جميع أنواع السلع في الأسواق، بيد أن السجاد المحلي أصبح العلامة التجارية في بخارى.. إنها لا تزال تمثل الأنماط الهندسية التي تمثل الإثني عشر قبيلة من القبائل القديمة واللون الأحمر هو الأبرز. 


إذا قمت بزيارة منزل عائلة أوزبيكية بسيطة فسترى هذا السجاد يكسو الجدران و الأرض، وترجع شهرة هذا النوع من السجاد العالمية إلى تصاميمه المميزة وألوانه المتعددة فهذه الألوان كلها ألوان طبيعية المصدر فالأحمر مستمد من الرمان والأصفر من البصل والبني من قشر الجوز.


كل الألياف التى تستخدم في هذه الصناعة هى ألياف طبيعية، ولدى الأوزبكيون طريقة فريدة لجعل تصاميم سجادهم مختلفة، فهم يمزجون بين رموز الحيوانات وبعض الأنماط القبلية القديمة مع بعض أنواع الزهور، ويتم إنتاج هذه التحف الثمينة من الحرير أو القطن أو صوف رقبة العجل.
إنجاز سجادة واحدة قد يستغرق العديد من الأشهر بل سنوات وفقاً للحجم وعدد العقد لكل سنتيمتر مربع، والتصميم. 


ومن العادات المتوارثة هنا، تجتمع الجارات في أكبر بيت في الحي للعمل معا، وهن يشعرن باعتزاز و فخر أنهن يلعبن دورا مهما في الحفاظ على صناعة النسيج باعتبارها جزءًا من تاريخ المدينة. 


بالإضافة إلى صناعة السجاد هناك صناعات الذهب والفخار، ولا زالت هذه الحرف اليدوية العتيقة على قيد الحياة فى بخارى –التراث الغني لمدينة الواحات- التطريز بخيوط الذهب والفخار ذو الألوان الخلابة والسجاد اليدوى، يجد مكانه في المدينة العتيقة ببخارى، ويبيع الحرفيون هذه التحف فى كل زاوية من زوايا المدينة، فالمدينة تعرف بكثرة الأسواق والخانات والقباب. 


التطريز بالذهب.. ففى العصور الوسطى كانت هذه المهنة محتكرة على الأمراء و حاشيتهم، أما اليوم فالفساتين و القفطان و حتى الأحذية و بعض ستائر المسار فتزخرف بهذه الخيوط الذهبية الثمينة تروى لنا 
لأجل إتمام ذلك يجب أن تمر بأربع وعشرين خطوة لصناعة ذلك الخشب الخزفى من البداية إلى النهاية. فهناك أكثر من ستين شكلا مختلفا وحوالى مائة رسمه لمنطقة بخارى فقط. 


ضريح القديس دانيال


إنه واحد من أماكن عديدة، يعتقد أنه المثوى الأخير للنبي دانيال المذكور في الكتاب المقدس.
البعض يقولون إنه تم جلب رفاته إلى هنا من قبل المسيحيين الأوائل، والبعض الآخر يقولون إن الحاكم تيمورلنك هو من أمر بدفنه هنا.
ما يجعل الضريح غير عادي، هو طوله البالغ ثمانية عشر مترا، وهناك أساطير متعددة حول تشييد الضريح على هذه الشاكلة.


تقول ديلدورا نيازوفا، دليل سياحي في سمرقند: "وفقا لأسطورة قديمة، فإن الجثمان يواصل نموه كل عام، وهناك أسطورة أخرى تقول إنه بهذه الطريقة سيكون من الصعب على الناس تحديد مكان الجثمان.


في خضم هذا النقاش المتواصل، يتوافد الزائرون إلى الموقع، ويحرصون على المشي حول الضريح بكل خشوع، كما يشربون الماء المنساب من نبع مقدس هناك.
الزعماء الدينيون هنا يقولون إنه مكان نادر، لا يقصده المسلمون فحسب للصلاة، وإنما أيضا المسيحيون واليهود.

ختام

وإذا كانت هذه بعض مشاهداتي وملاحظاتي على أوزبكستان تاريخيا وسياحيًا؛ غير أن مجلدات لا تكفي لوصف بقية انطباعاتي عن الشعب الأوزبكي وكرمه وحسن أخلاقه، ولا عن نظافة شوارع الدولة الأوزبكية ولا عن نشاط أبنائها ودأبهم في العمل، ولا عن تفاني الجميع وانصهارهم في بوتقة واحدة لأجل تجقيق تطور ورفاهية هذا الوطن.

إن الزعيم خالد الذكر إسلام كريموف استطاع أن يبني دولة المؤسسات، ويضع أسس النهضة الحديثة، وإن الشعب الأوزبكي في ظل قيادة الرئيس الحالي الذي يعد خير خلف لخير سلف، وهو القائد شوكت ميرزيوييف، قادرون على استكمال مسيرة الارتقاء والنمو والتقدم من أجل دولة رائدة في آسيا الوسطى خاصة والعالم الإسلامي عامة.

قد يعجبك أيضاً

المزيد من الكاتب

+ There are no comments

Add yours